منبر الابداع للابداع شكل جديد
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخولتسجيل دخول الاعضاءتسجيل دخول الاعضاء

شاطر | 
 

 أنا والأيام ــ حكايات ــ

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
طائر الليل
عضو محترف
عضو محترف
avatar

عدد المساهمات : 208
نقاط : 555
تاريخ التسجيل : 20/01/2010

مُساهمةموضوع: أنا والأيام ــ حكايات ــ   الجمعة ديسمبر 10, 2010 8:19 am

أنا والأيام ـ حكايات ـ


الغائب


كان البيت الكبير يضم بين أركانه خمسة رجال وثلاث سيدات ، وحيث كان أبى مجند بالجيش وسافر إلى اليمن فقد صار عدد الرجال أربعة ، وأنا وأخت لى عمرها سنة واحدة ، أما أنا فكان عمرى ثلاثة سنوات .

لا أعرفه لى أب سوى جدى فكنت أناديه يأبى ، و لا أعرف لى أم غير زوجت جدى .

فأمى التى ولدتنى ليس لها شغل شاغل ، سوى العمل الذى يتطلبه بيت ريفى ، به أربعة رجال ، هى وإبنت ألأخ الكبير لجدى ، فالأخوان شركاء فى هذا البيت والأرض الزراعية ، لكل منهما نصف هذه التركة التى يمتلكانها ، زوجت جدى لا تعمل شىء سوى الأشراف عليهما ، ومراعتى أنا وأختى التى كنت لا أعترف بها كأخت ، كما كنت لا أعترف بامى كأم ليس جحود ولا نكران ، فحياتى ليل نهار مع جدى فى الحقل والبيت فى الصحوة والمنام ، تفتحت عينى عليه ونطق لسانى له ، ولا أستطيع أن أصف كل الدلال والرعاية ألتى نولتهما ، وكل ما أطلبه يأتينى ولو كان لبن العصفور كما يقال ، خاصة بعد أن سرة إشاعة بالبلدة تقول أن أبى مات فى حرب اليمن ، ولقيت الإشاعة أرض خصبة فيها نبتت وترعرعت ، وصدقها الجميع خاصة بعد مرور سنة وعدت أشهر على غيابه بهذه الحرب ، وعودت خالى الذى كان أيضا باليمن ولم يعود معه ولا أتى بخبر عنه .

كثر عدد المهتمين بى بعد عودة خالت أبى الى السكن ببيت
والدتها المجاور للبيت الكبير حيث نلتقى بها من على السطح .

فى يوم وليلة تغيرت أنظار أهل البلدة لنا وخاصة لجدى ، الذى كان يقرأ فى أعينهم كلام ، وازداد قلقه وريبته عندما كان يسمع صوت مصمصة شفاههم خلف ظهر بعد مروره ، وهروب أعينهم منه وابتعادهم عنه ، لم يستطع أن يقاوم كل هذا فسقط صريع المرض والحزن ، لم يعد يخرج من البيت ، ولم يجلس معهم على مائدة الطعام ، ظل هكذا حتى أستطاع أخيه إبراهيم أن يجبره على تناول الزاد ، ويخرجه من عزلته هذه ، حتى ولو يجلس معهم ، وكان يواسيه بأرق الكلمات ، ويعده بالأمل فى عودت الابن ، ويحدثه بأنه سيعود ويقسم له ، ويحفزه أن لا ينقطع عن العالم ويستسلم لوحدته هذه التى لا تاتى بخبر ولا بخير، وينصحه أن لا يكون سبب فى تدمير هذا البيت لمجرد كلام ليس له أساس ، فكان الرجل يتحامل على نفسه ويجلس معهم صباحا عند الفطور ، ويقضى معهم سهرة المساء ، لكنه لم يقوى على الخروج من البيت .

مرت على الرجل عدت أسابيع لم يعرف عددها ، وفى يوم كان الرجل يحتضن الطفل ويتمدد على فراشه ، عندما سمع صوت زغاريد النساء فى البيت ، فخرج من غرفته ثائراً على كل من بالبيت ، يكيل لهم التوبيخ بكل ما علم من كلماته ، ويصفع كل من تقترب منه ، وهبت النساء وألتفت حوله وهم يقولون
ـ محمود رجع يا أبو محمود !
لم يصدق القول وازداد توبيخه لهم وصفعاته وسمع صوت رجل من الخارج يرتفع ويقول .
ـ مبروك يا أبو محمود ابنك عاد بسلام من اليمن !

هبط الرجل درجات السلم حتى وصل إلى الدرجة الأخيرة ،
تلفت فى البيت كله لم يرى أبنه ، فهوى جالس عليها وهو يبكى ويقول بصوت مرتفع .
ـ أ لهذا الحد تستهينون بى .. أنا لم أفقد عقلى بعد .. لماذا تفعلون ذلك .. هل أنا طفل صغير تلهون به ؟ .
لم يسمع إليه أحد وأكثروا من زغاريدهم وفرحتهم .
ووجد بنت أخيه الكبيرة المتزوجة بابن الجيران بالبيت المقابل لهم من الجهة الأخرى من الشارع، تجثوا على ركبتيها بعد أن وضعت حقيبة كبير إلى جواره .
وقالت وهى تهدهده .
ـ يا عمى أقسم لك بالله العظيم محمود رجع .. إنه بالخارج أبناء الشارع كلهم ملتفين حوله .. يباركون له عودته بسلام .. وهذه حقيبة من التى جاء بهم معه .

لم تهدأ ثورة الرجل إلا بعد أن رأى أبنه يدخل عليه تمالك نفسه ، ووقف بصعوبة وأخذه بين زراعية طويلا ، وأفرخ حنين الأيام الماضية والشوق والغربة بين أحضانه .

ثم أمر أن يمدوا الفرش الحصير على جانبى الممر الذى ياتى من أول باب الشارع إلى أخر البيت ، وجلس الأهل والجيران وأبناء البلدة الكل توافد عليهم للمباركة لهم على عودة الغائب بسلام .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
طائر الليل
عضو محترف
عضو محترف
avatar

عدد المساهمات : 208
نقاط : 555
تاريخ التسجيل : 20/01/2010

مُساهمةموضوع: رد: أنا والأيام ــ حكايات ــ   الجمعة ديسمبر 10, 2010 10:53 pm




بعيد عن العين


انقضت الأيام الثلاثة الأولى فى استقبال الوفود التى أتت جماعات للتهنئة بسلامة الوصول .

أبى محمود الذى مازلت لم أتعرف عليه كان يداعبى ويحاول أن يأخذ يدى ويضمنى إلى صدره فأفر منه والقى بنفسى بين أحضان جدى أبى الذى أعرفه وأول من ناديته بكلمة أبى .

كثيرا كان يؤثر هذا فى نفس أبى محمود ويعز عليه فقد كنت أظن أنه رجل غريب لم يثبت لى بعد أنه من أهل البيت ، ظل المسكين يداعبى رغماً عنى وحاول كل من بالبيت أن يفهمنى ذلك فيلقون بى فى أحضانه بمزاح وجد لأطمئن فأصرخ وأبكى .

كل الذى أسعدنى بوصوله هى تلك الوفود التى أتت على بيتنا على مدار ثلاثة أيام مهنئين لا يخلوا البيت منهم وكثيرهم كان يداعبى .

فى يوم وأنا الهوا وأمرح بصحن البيت الأسفل وقد صففت الحجارة وجعلت منها أطفال أحدثهم ويحدثوننى وأملى عليهم أوامرى ثم أجعل منهم من يعصانى فأنهال عليهم بالعصى تأديبا .
هبط أبى محمود درجات السلم رويداً بتوجس حتى لا أراه ومع ذلك رأيته حاولت الفرار ولكن إلى أين فالباب مغلق فوفقت بصحن البيت خائفاً مذعورا وهو يخطوا تجاهى بخطى حسيسة حتى أمسك بى فصرخت مستجيرا بصوت مرتفع .
فظنت أبنت عم والدى الفتاة الشابة أن أحد أبناء الشارع يمزح معى كما تعودوا وكانت لم ترى أبى وهو ينزل إلى أسفل .
فسمعت صوتها من أعلى تقول .
ـ أتركه يالى ربنا يلهيك .
ثم تلاه صوت أمى زوجت جدى وهى تقول لها .
ـ أسكتى أنتى .. ربنا يلهيكى .. ربنا يحنن القلبين على بعض .
فقالت بنت عم والدى تستفسر .
ـ من ؟!
قالت لها
ـ هذا أبيه محمود .
بعد أن هدأت ثورتى قليلاً وهو ممسك بيدى لم يتمكن من أن يضمنى إلى صدره قال وهو متألم
ـ لا تعرفنى ؟
فلذت بالصمت ، وعاد يقول .
ـ أنا أبوك !.
فقلت وأنا ارتجف
ـ لا أبى عبد الله .
فقال وهو يبتسم فى وجههى
ـ عبد الله جدك أنت .. وأنا ابنه .. وأنت أبنى أنا .
فانتفضت وفزعت من قوله هذا وأنا اردد .
ـ لا عبد الله أبى .. عبد الله أبى أنا .
ابتسم والدموع تملأ عينيه ، فرق قلبى قليلاً له ولآن لكننى ما ذلت مرتاب وسمعت كل من بالبيت يقولون لى .
ـ يا محمد محمود أبوك ..!!
ثم تراجع للخلف ويده ممسكةً بى حتى وصل للدرجة الأولى للسلم جلس عليها وراح يداعبنى ويقبلنى من كل وجههى ويجعله بين يديه ويتأملنى بحب وحنين وقلبى لم يلين إلا قليلاً ثم أجلسنى على إحدى فخذيه وهو يمسح برأسى وظهرى ويربت عليه بحنان بالغ متدفق ليس له حد وراح يتحدث إلى وأنا مرتاب ومن أجل ذلك لم أعى ما يقول
ـ أتريدك أن ترى ما جئت به لك ؟
وأنا ما زلت صامت وعاد هو يقول لى .
ـ لقد جئت لك بأشياء كثيرة .. هل تأتى معى لتراها ؟
ثم أنزلنى من على خذه برفق وأنا لا انطق بكلمة ولا أمانع صعد بى درجات السلم إلى الدور الثانى ممسكا بيدى وما أن وجدونا النساء صعدنا معا علت أصواتهن بالزغاريد وأتجه بى إلى غرفته وأجلسنى برفق وخف إلى حقيبة كبيرة فتحها وأخرج منها ثلاثة قمصان نصف كم وثلاثة بنطلونات نصف حاول أن يلبسنى أحدهم فلم يتمكن فأنا ما زلت أخشاه ثم عمد إلى حقيبة أخرى وأخرج من داخلها بعض لعب أطفال فأسعدتنى كثيرا وظل يلهوا ويلعب معى وجاءت خالت أبى وكانت تتكدر منى وتغضب كلما ناديت زوجت جدى يا أمى وزاد كدرها وضيق صدرها خشيتى من أبى ونكرانى له ثم اجتمعت نساء البيت كلهن معنا بالغرفة وظل اليوم كله يلهوا معه بما أتى به من ألعاب ثم تركنى ألعب وحدى وهو يتابعنى إلى أن جاء موعد نومى وحالوا جاهدا أن أبيت معه لكنى رفضت بإصرار فأحذنى جدى وهو يبتسم ويقول
ـ يكفيك اليوم هذا .. وغدا أو بعد غد سيبيت معك .
ثم غمز له بإحدى عينيه وقال
ـ وحتى يخلوا لك الحال لتسدد ما عليك من دين نظير أيام الغربة .
ثم أخذنى إلى غرفته وأنا فى حالة بين الفرح والألم والأمان والخوف والصدق والتكذيب الذى ظل يرافقنى لمدت طويلة لا أستطيع أن اجزم كم ظلت ترافقنى ومتى أنقضت .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سليمان شاويش
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد المساهمات : 311
نقاط : 748
تاريخ التسجيل : 21/01/2010
العمر : 58

مُساهمةموضوع: رد: أنا والأيام ــ حكايات ــ   الأحد ديسمبر 26, 2010 2:23 pm

عبرت فأحسنت التعبير
وسطرت سطور كأنها كلمات من نور
هل من مزيد نتعرف منها على أيامك
تقبل تحياتى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
أنا والأيام ــ حكايات ــ
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منبر الابداع :: ساحة الابداع الادبية :: الخواطر و التأملات-
انتقل الى: