منبر الابداع للابداع شكل جديد
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخولتسجيل دخول الاعضاءتسجيل دخول الاعضاء

شاطر | 
 

 فساد المجتمع الجزء الثالث ــ 1 ــ

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سليمان شاويش
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد المساهمات : 311
نقاط : 748
تاريخ التسجيل : 21/01/2010
العمر : 58

مُساهمةموضوع: فساد المجتمع الجزء الثالث ــ 1 ــ   الأحد نوفمبر 14, 2010 3:36 pm

فساد المجتمع
الجزء الثالث

ــ 1 ــ
بداء داود التردد على البيت الذى اشتراه بالحى الشعبى ، بعد أن أتمه من أثاث وكل متطلباته ، وقد أختار أن يجعل فى إحدى الكنبتين صندوق كبير فى جوفها ، كى يحفظ بداخلها الأوراق المهمة والأموال ، فهو لا يحبذ وضع أمواله بالبنك إلا ما يحتاج إليه العمل فقط ، وكما ذكر فإن أسرته لم تعلم عن هذا البيت شىء ، ولن تعلم فقد أختار أن يكون الأمر سراً .
صار يأتى إلى هذا البيت ليلة كل أسبوع ، ويخبر الأسرة أنه يقضى هذه الليلة فى موقع العمل ، فقد كانت حجته دائما حاضرة وقوية ، ولا يستطيع أحد أن يجادله فيما يقول .
وكعادته لم يحاول التعرف على أحد من جيرانه ، أو يكن له أصدقاء بهذا الحى ، فهو يأتى ليلة واحدة يظلها باليت وحده لا يفتح باب ولا نافذة ، وتجده مرتاح البال مطمئن ، وأحيانا يسمع صوته وهو يدندن لنفسه ببعض الأغانى التى يحفظها .
فمع إن لكل إنسان خصوصية تحترم ، وله الحق أن يخفيها ، ولكن هذه الخصوصية التى يخفيها داود ، ليس من العقل والحكمة أن يخفيها فإخفائها خطاء فادح ، إن ذلك لو دل على شىء ، يدل على أنه وصل إلى مرحلة كبيرة ، من عدم الود والحب وعدم الإحساس بالأمان .
* * *
مع تكرار مرور نشأت لموقع البناء ، كان يلتقى بصاحب مكتب عيد ، ويسمع منه عن كل ما كان يقوم به من أعمال ومشروعات ، وكم العمارات التى أنشأها وشيدها إلى أن أتى هذا الرجل داود ، وأخذ منه كل هذه الأعمال ، وحرمه من كل هذا ، حتى أن اضطر إلى الاستغناء عن نصف العاملين الذين كانوا يعملون لديه ، وكاد أن يغلق المكتب ويصفى أعماله .
وجدة هذه الكلمات صدى فى نفس نشأت ، وبدت صورة داود فى عينيه كاللص وهو مثله .
كان داود يراهم كثيرا فيظن الأمر شىء عادى ، حيث أنه مهندس الهيئة وصاحب مكتب عيد يعمل معه ، لكن نشأت بدأ يتغير من الدخل ، وراح يراجع نفسه وكل المخالفات الغير قانونية التى اقترفها ، من خلال وظيفته وهمس لنفسه وهو يستمع للرجل .
ـ كل هذه السنوات وأنا أعمل أعمال تخالف القانون .. من أجل اكتساب الأموال .. ولم أدخر شىء إلى الآن .. كله يذهب حتى المرتب أيضا يطير مع غيره .. ولا يبقى معى ولا جنيه !! .
دائما يكون طريق التوبة متوقف على كلمة بدون قصد ، تكون لها تأثير أقوى من حديث طويل موجه ، وحيث أن نشأت قلبه رق للإقلاع عن ما يفعل ، وعقله تحول عن الرشوة وبدأ يمقتها رويدا رويدا ، إلا أن هناك عامل أخر أقوى من نفسه ينتظره هى زوجته إنها تدفعه لذلك دفعاً ، كيف يقنعها ؟ .. وما السبيل لإرضائها ؟ .. وتخويفها من هذا الذى يسعى بهم ويقودهم إلى خراب البيت ، مقابل خرابهم وتشريدهم لبيوت أخرى غيرهم ، يجب أن يفهمها هذا بالحجة المقنعة والحديث الجاد حتى تمقت ما يفعله ، وعليه أخذ الأمور مأخذ الجد وخطوة خطوه وينتهى من هذا الطريق مثل ما بدأ.
وأخذ يحاور نفسه كثيراً ويقول لها
ـ أنا لو تركت طريق الرشوة سيبارك الله لى فيما رزقني من حلال وإن كان قليلاً .
ـ ................
ـ فبعد كل هذه الأعوام لا أملك شيء .. ولم يبقى لى شيء سوى راتبي .
ـ ...............
ـ ولو لم أرتشي لبارك الله لي في راتبي .. وكنت لم أكتسب جرم هذه الجريمة وغضب الله على .
ـ .............
ـ لا مفر من الإقلاع لا مفر .. إني أصبحت أخاف الله بعد ما سمعت من عيد .
من المؤكد أن هناك سبيل لا بأس به ، وطريق أفضل سيجده ، أهم ما فى الأمر الجدية ، والعمل على ترك هذا بأى وسيلة كانت ، وتذكر حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم :
قال : ( يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدى بى ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منه ، وإن تقرب لي شبرا تقربت له ذراعا ، وإن تقرب لى ذراعا تقربت باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ) .
وتنهد بقوة وهو يقول .
ـ صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كيف لم أتذكر هذا من قبل ؟!
ـ ....................
ـ إنها التوبة ولابد منها .. إنها العودة للصواب والسعى للحلال .. فقد جربت الرشوة واقترفت الحرام .. وأعطيت لمن لا يملك مالا يستحق .. لن أترك النفس تسير على هواها كما كانت .. لا بد من التوبة وبلا عودة .
* * *
أول مرة يتقدم داود لمناقصة هيئة الأثار ، وكان يخشى من رفض عرضه ، وداوم على الاتصال بسعيد ، يسأله عن ما انتهت إليه الأمور بشأن هذه المناقصة ، وسعيد يطمئنه وهو مسرور بهذا ، إنها ستزيد من دخله وسترتفع مؤشرات أسهمه عند داود ، الذى لا يستقر ولا يهنأ له بال إلا إذا اتصل به .
وفى والوقت الذى قام بتسليم المنشآت التى كان يعمل بها لهيئة الأبنية ، كانت هناك مناقصة أخرى فى الطريق ، تقدم لها وتقدم أيضا للمناقصة صاحب مكتب عيد ،عله يفوز فالمحاولة أفضل من أن لا يحاول ، ويظل هكذا فى ظل مكتب داود ، أو فى ظل مكتب أخر ، فهو له أسم وعمل يحاول أن يحافظ عليه .
يوم أن عرضت ملفات المتقدمين على هيئة الأبنية ، كان نشأت من أعضاء اللجنة ، وأثناء مراجعة العروض وجد نشأت نفسه يأخذ ملف مكتب عيد ، ويضعه فوق الملفات الأخرى بغير تفكير وبدون وعى ، شىء ما بداخله قفز ألى فكره ، وأقرت اللجنة العرض وتركت باقى العروض ،
وراح نشأت يسأل نفسه كيف فعل هذا ؟ وهو لا يدرى لماذا !!
علم داود بعدم قبول عرضه فى مناقصة هيئة الأبنية ، ذهب من فوره إلى سعيد يسأل ، كيف حدث هذا ؟ وأكد له أنه لا يعلم .
وكتم نشأت هذا الأمر فى نفسه ، ولم يبلغ أحد عما فعل
ولم يتحدث داود عن هذا كثيرا ، فقد كانت مناقصة هيئة الأثار تشغله عن أى المناقصة أخرى ، فليجعل كل اهتمامه منصب عليها ، ويترك هيئة الأبنية بعض من الوقت على أن يعود ويتقدم إليها فيما بعد ، وحدثته نفسه بأن قد يكون مكتب عيد تعرف بأحد من أعضاء اللجنة مثلما يفعل هو .
* * *
أحست زوجة نشأت أن دخل زوجها أقل من قبل ، فتحدثت إليه بذلك ، وهو يراوغ ويذهب يحدثها فى مواضيع أخرى ، ويماطل فى الإجابة الصريحة ، وهى مصرة على معرفة السبب فما كان منه أن اخبرها وأطلعها على السبب
وقال لها .
ـ لقد اتضح لى أنى أسير فى طريق خطأ .
وتعجبت وكأنها لا تعرف وقالت .
ـ ما هو الطريق الخطأ هذا ؟
ـ إن المبلغ الإضافي الذى كنت أكتسبه غير راتبى الحكومى .. كان من أصحاب مكاتب المقاولات وهذا حرام .
قلبت يديها وقالت .
ـ ما الحرام فى ذلك ؟ .. هل وضعت يدك فى جيب أحدهم وسرقته ؟ .
ـ لا .. لكنه يشبه السرقة .. إن ما كنت أخذه منهم هو رشوة .
ضمت شفتيها وقالت
ـ رشوة أم هدية .. أم حلاوة الفوز بالمناقصة ؟
ـ لا هدية ولا حلاوة .. إنها رشوة .
ـ وما المانع الآن ؟ .
ـ المانع أنى علمت أن الراشى والمرتشى لا يشمان رائحة الجنة .
ـ وماذا ستفعل بعد ذلك ؟ .
ـ سأفعل فعل كل إنسان عاقل .. أنظرى كم من السنوات مضت فى العمل .. هل ادخرنا شىء مما كنا نأخذه ؟ .. كله يذهب هباء مع الراتب .. فلنحاول أن نجرب العيش بدون هذه الهداية كما نسميها .
قالت بجزع
ـ سيأثر ذلك علينا تأثير كبير .. إذا كنا نعيش الشهر كله بالراتب وهذه الهداية بالعافية .. فما بالك بما سيحدث بدونها .
قال والأمل تداعبه
ـ لكنى أرى أن هذا سيصلح الحال .. فلنحاول أن نجرب ومن المؤكد أن الله سيفرح بتوبتى هذا .. وسيكون معنا إذا صدقنا النية .
أن سبحانه وتعالى يُقبل على عبده ، وإقبال الله ليس مثل إقبال العبد ، وفرحته بعبده ليست مثلها فرحة .، وذكر الله خير وأفضل من ذكر العبد لك ، وقبل كل شىء وبعده ، القناعة والرضا بما رزق الله من الحلال ، يفوق أضعاف أضعاف ما يكتسبه الإنسان من طريق حرام أو به شبهه .
إن الله سبحانه وتعالى عنده الكثير يُسبله على عبده كالبركة والفضل ، ويأتى هذا من الله سبحانه لمن يطيعه فيما أمر وينتهى عما نهى ، ورحمة سبحانه سبقت غضبه وأعلموا أن الله يعلم ما فى أنفسكم فاحذروه .


يتبع بعده
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سليمان شاويش
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد المساهمات : 311
نقاط : 748
تاريخ التسجيل : 21/01/2010
العمر : 58

مُساهمةموضوع: رد: فساد المجتمع الجزء الثالث ــ 1 ــ   الأحد ديسمبر 26, 2010 12:08 pm



فساد المجتمع
الجزء الثالث

ــ 2 ــ

علم سعيد من المهندس سعفان كامل فوز مكتب خضر بعمل ترميمات بعدت أبنية أثرية ، فذهب من فوره إلى داود ، قبل أن يقول له الخبر غمز إليه بطلب هدية ، حاول داود أن يعلم من نفسه سر طلبه هذا فلم يفلح ، بسبب مراوغة سعيد ، فألح عليه حتى أخبره بفوز المكتب بمناقصة الترميمات الأثرية .
أخذ سعيد يتحدث إلى داود برغبة في دعوة المهندس سعفان عنده بالفله مرة أخرى ، وأضاف أن هذا سيكلفه كثيراً كما يعلم داود ، أثناء الحديث عرج داود إلى مناقصة هيئة الأبنية التى خسرها ، فأشاح سعيد عن ذلك جانبا وأشار إليه أن يترك الحديث في هذا الآن ، ويدرس بينه وبين نفسه ما قاله له سابقاً من تغير الترخيص إلى شركة ، وقال أن ذلك خير له وسيتسع مجال العمل أكثر وسيفتح أمامه أبواب عديدة ، منها إمكانية دخول مناقصات بناء المدن الجديدة من بابها ، وقد تسمح له بامتلاك أراضى وبناء مدن عليها ، ويحمسه سعيد دائما بأنه سيكون إلى جواره وخلفه .
هذان الرجلان يقودهما عقلهما ذا الأفق الضيق إلى الفساد ، ولو سنحت لك فرصة وشاهدتهما لرأيت على وجههما سحابة كئيبة قاتمة ، رغم الابتسامة التى لا تفارقهما لكنها ابتسامة ذابلة صفراء ، والتواضع الذي يشبه أدب القرود ، فلن تستطيع عمل شيء سوى الفرار من مجالستهما إن لم يكن لك ارتباط بهما ، وضيق صدرك عند حديثهما يجعلك بكل الطرق تحاول الابتعاد عنهما ، حتى ولو بتلبية طلباتهما لتتخلص من مجالستهما ،ولا تملك إلا أن تقول بعد ذهابهما .
ـ ما اثقلهما كانى أحمل على صدري صخورة .. أو أحمل على أكتافي جبل .
وهما كذالك صخور صماء ، وجبل ذنوب ، وفساد يسعى على قدمين ، ومطرقة هدم ، ومعول طمس للحق .
فالأرواح جنود مجنده ما تعارف منها ائتلف وما تنافر اختلف ، وسعيد وداود تعارفا على شيء واحد هو جمع الأموال .. من أين وكيف ؟ لا يهم ، وإن حاولت أن تكون ناصح لهما فنصيحتك مرفوضة من قبلهما ، فقد أحبا الثراء والتمتع برؤية الأوراق المالية أمام أعينهما ، مع اختلاف الأسلوب ولكن الهدف واحد ، ضدان في الشخصية اجتمع على طريق واحد غير مستقيم ولكنه مستساغ لهما .
الشهوة أم البلاء إن ذهبت وقومت نفسك أمام شهواتها نجوت ونجى من تقوده ، وإن تركتها تتخبط في غيها أخذتك أنت ومن حولك إلى قاع محيط غير هادئ ، أو هوت بك في بحر متلاطم ، فالنفس السوية تجعلك كالبحار الذكي ، الذي لا يترك قاربه على الشاطئ بعد عودة من البحر ، قبل أن يرى ما بها من عطب ويصلحه ، ويقوى ما يرى أنه في طريقة إلى التلف ، فأنت إن نجوت بقاربك فقد نجوت مرتان واحدة لك والثانية لمن تحمله معك .
* * *
في خضم هذه الأحداث وبمرور الأيام كان وليد سعيد الابن الأكبر قد وثق علاقته بسعاد نشأت عبد الرحيم ، وحيث أنه كان في نهاية العام الدراسي الأخير بالجامعة ، فقد أكد لسعاد أنه يسعى لخطبتها ، وسيخبر الأسرة بذلك ولن يثنيه أحد عن رغبته هذه ، وقال لها عندما سائلته ، ماذا سيفعل عند الانتهاء من الدراسة ؟
فقال قول المتمكن .
ــ إن أبى له معارف كثيرة لا بأس بها .. وسيجد لي عمل ممتاز.
ــ هل تنتظرني حتى أنتهي من الدراسة ؟ .
مال عليها بخفة وقال .
ــ فلتنهى دراستك وأنت عندنا .. فليس لدى مانع من ذلك .
قالت وكأن هناك أمر التبس عليها .
ــ إن أبى لم يعد مثل ما كان لقد تغير كثيرا عن ذي قبل .
ــ لا تقولي أبى ولا أبيك .. أهم ما في الأمر هو أنتي وأنا .. هل لديكي مانع ؟
قالت وحمرة الخجل تعلوا وجهها .
ــ لا ... ولكن أخشى ...
قاطعها قائلاً .
ــ لا تخافي فلن يكون هناك أي مانع .
فقالت
ــ وان كانت هناك موانع .
لم يتردد وقال
ــ سأتزوجك ولن يمنعني أحد .
لقد كانت لقائتهما تطول وتتعدد ويكثر الحديث ويزيد شجونه ، والولد لا يمل من رؤيتها وهى كذلك تنتظر وقت اللقاء ، وتستصعب لحظة الفراق حين تتركه وتعود للبيت مهما طال الوقت ، وكان وقت اللقاء دائما قصير .
وأخذ وليد على نفسه عهد أمامها ، أن لا يهمل في مراجعة دروسه ليستعد للامتحانات ، حتى ينتهي من الدراسة ويسرع في التقدم لخطبتها ، حتى أنه طلب منها وهو متردد الإقلال من لقائتهما ، رغم أن قلبه لا يطاوعه على ذلك لكنه اتفق معها ، وكانت هي الأخرى ترغب فى ذلك ، حتى لا يكلفهما الرسوب إن حدث سنة أخرى من عمرهما .
مرت الأيام وانتهت الامتحانات ، وبدأ لقائهما من جديد ، وأخذ الحديث مجال أخر ، وضروب غير التي كانت من قبل ، وأتسع النطاق بعد أن كان مغلق على أحاديث المحبين وهمسات العشاق ، لقد تحول إلى الإعداد والتمهيد لدخول مرحلة تالية ، تستوجب بعض من المصارحات والاستعدادات لإتمام ما اتفق عليه مسبقا .
* * *
فوجئ داود بسعيد يدخل عليه المكتب بغير موعد ولا اتفاق مسبق ، مما أفزعه وتغيرت ملامح وجهه فقد توقع أنه حدث شيء ما بخصوص العمل ، ثم هدأ من روعه ظنه أن تكون هناك مناقصة جديدة يأتي بها .
وسأله بترقب عن سر هذه الزيارة الغير متوقعة .
قال سعيد وهو يركز نظره على داود .
ــ إن ابن العقيد الدفراوى نجح بالثانوية العامة .
نظر إليه داود فى ذهول وأشار له بظهر يده اليسرى
ــ نجح نجح !! وأنا مالي ؟! هذا لا يهم .
فقال سعيد .
ــ كيف لا يهم ؟!!!.
قال داود بغضب .
ــ هل هو نجح لي أم نجح له ؟ ! .
حرك سعيد يده على المكتب حركة هادئة وقال .
ــ لا بد من تقديم هدية له .
قال داود بتعجب واستهزاء .
ــ تقديم هدية !! هدية لمن ؟ .
أخذ سعيد يتحدث دون النظر إلى ما قاله داود .
ــ سيارة صغيرة فيات سعرها بسيط .
أرتفع صوت داود وهو يقول .
ــ لا أنت حدث لك شيء في رأسك .
ــ لا حادث ولا غيره .
تكدر داود وتعصب وقال .
ــ اطلب شيء معقول .. أن هذا الرجل ليس له أهمية فى عملنا هذا .
مازال سعيد يتحدث في هدوء
ــ يكفى أن تقول في أي مناسبة أنك تعرفه .
وداود مازال في عصبيته واستنكاره .
ــ أعرف من !!.
ــ العقيد سيد الدفراوى .
صفق بكفيه الاثنين وقال .
ــ أنا في غنى عن هذه المعرفة .
ــ لا إهداء واحسب الأمور جيداً .
لوى داود عنقه وضم فمه وزفر من وأنفه زفرة كبيرة ، وكاد الخلاف يفسد ما بينهما ، مع إصرار سعيد تمهل وقال .
ــ اتركني ابحث الأمر وأديره في رأسي .. وأشاور نفسي .
ابتسم سعيد ابتسامة صفراء وقال .
ــ هذا عين الصواب
واستأذن ومضى وداود من خلفه يلعنه ، ويلعن كل يوم مر عليه وهو على علاقة به ، ويدعوا عليه دعاء لو كان من إنسان صالح ومستقيم ، لألقت به أمام أول سيارة مسرعة تقابله ، أو هوت به من فوق أعلى عمارة على أم رأسه بشارع يمتلأ بحجارة صماء مدببة .


يتبع بعده
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سليمان شاويش
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد المساهمات : 311
نقاط : 748
تاريخ التسجيل : 21/01/2010
العمر : 58

مُساهمةموضوع: رد: فساد المجتمع الجزء الثالث ــ 1 ــ   الجمعة ديسمبر 31, 2010 10:37 am

فساد المجتمع
الجزء الثالث

ــ 3 ــ

لم يتمكن وليد من إخفاء سعادته ، وهو ممسك بيد سعاد داخل الحرم الجامعي بعد أن أخبرته بنجاحه ، وكاد يصرخ ، وألح عليها أن تذهب معه مرة أخرى إلى كشوف الناجحين ، ليري بنفسه اسمه ، ورقصت الفرحة على وجهها ، وهى تخبره أنها نجحت بدون رسوب في أي مادة ، وأخذها من يدها وهرول إلى خارج الجامعة ، بعد أن رأى بنفسه أسمه بين الناجحين ، وأشار عليها أن تذهب معه إلى مكان هادئ ليحتفلان بفرحة النجاح وبتخرج وليد .
ثم عاد وليد إلى فلتهم فوجد الأسرة كلها في انتظاره ، عندما شاهدوا الفرحة على وجهه ، علموا منها أنه نجح وصفق هو على يديه وقال .
ــ لقد نجحت .
هبوا إليه يحتضنونه ويباركون له هذا النجاح ، لم يستطع وليد أن يترك هذه اللحظة تفوته ، بعد أن استكانوا في مقاعدهم ، قال لوالده والكلمات تتلجلج على لسانه .
ــ أبى .. لي عندك طلب أرجوا أن لا ترفضه .
فأجابه الأب والفرحة ما تزال ترتسم على وجهه .
ــ اطلب ما تشاء .
تردد وليد بين الصمت والكلام وقال .
ــ أريد ... أن أتزوج .
جحظت عين الجميع واتسعت حدتها وقالت الأم .
ــ ماذا !! ... تت إه !! .. تتزوج ؟ !!!
ثم لاذوا جميعا في صمت ، فقد ألجمت المفاجئة ألسنتهم ، إلى أن قطع الأب هذا الصمت وقال .
ــ كيف تتزوج ؟ ! أول هام أنت قادم على الخدمة العسكرية .. ثاني هام انك لا عمل لك .. والبحث عن عمل هذه الأيام مهمة صعبة جدا .
عاجله وليد ولم يمهله .
ــ وأنت رحت فين .. أنت الخير والبركة .
قال سعيد قول الساخر
ــ أنا الخير والبركة .
ثم فحم من قلب وأكمل قائلا .
ــ من أين الخير والبركة ؟؟ !!
ثم أطبق الصمت تارة أخرى على الجميع .
وعاد سعيد للحديث مرة أخرى .
ــ من هذه البنت التي تريد الزواج منها ؟
عادت الفرحة لوجه وليد وهو يقول .
ــ سعاد بنت عمى نشأت عبد الرحيم .
قال سعيد والغضب على وجهه
ــ من ؟ .. نشأت عبد الرحيم !!! .. ألم تجد إلا هذا الرجل ؟ .. أرجوا أن تنسى هذا الأمر بالمرة .
احتار وليد وتحرك لسانه داخل حلقه بدون كلمة واحدة ، وأتضح له من حديث أبيه أن هناك شيء يخفى عليه ، فسكت ولم يكمل واكتفى بالنظر لوجوه الجالسين في صمت ، ألمت به ريبة وظنون لم يفصح عنها .. وهمس لنفسه بتأجيل الحديث هذا لوقت أخر .
على إثر هذا الحديث تذكر سعيد المهندس نشأت ، وما كان منه في المناقصة الماضية ، ولم يعلم لما حدث مبرر ، وحدثته نفسه كيف لا يفوز مكتب داود بهذه المناقصة ؟! .. وقلب الأحداث في رأسه ليرى ما يكون قد أدى لذلك ، وعزم على أن يقوم بمقابلة نشأت ليبحث معه ما حدث .
وقال يعرض عليه أكثر مما كان يعطيه ، فقد يكون ما يعطيه قليل وهو لا يدرى ، كما أن نشأت لم يعد يسعى إليه كما كان من قبل ، لقد صار تردده عليه قليل بل معدوم .
ترى ما الذي يدور في رأسه ، لا علم فالنفس تسعى والعقل يزن ويقدر ويختار ، إن كان العقل راجح اختار الصواب ، حتى وإن كان العائد قليل فمع الوقت يصبح كثير وإن كفاه فقد وفى .
* * *
مع مرور الوقت ، اشتكت زوجت نشأت عدم تمكنها العيش بهذا المبلغ الذي أصبح قليل ، وهو يحاول ترويضها وترويض نفسه حتى لا يعود لما كان ، وكان يكثر من الحديث والنصيحة لها ، لكنها سيدة تعودت على معيشة غير التي تعيشها الآن ، كانت تظن أنها ستكون معيشتها الدائمة ، وقد كانت تزهوا بين الأهل والمعارف ،وتحدثهم كيف تعيش ؟ وتعد نفسها من طبقة اجتماعية غير طبقتهم ، وتحسب حالها أعلى منهم ، لقد أرتقت سطح ليس لها ، وصعدت سلم لا تملك فيه درجة واحدة ، لكنها ظنت أنها تملك ذلك .
إن على نشأت إذا أراد العدول عما كان يسير فيه ، أو الوقوف مكانه حتى يلحق به قطاره الذي تركه ، ليعيش كما كان أول حياته في أي درجه من درجاته ، فإن هذا القطار سيريحه ويسعد بين مستقليه .
أما سعيد فلم يمهله ، فما هي إلا أيام حتى راح يبحث عنه ، وهو يحاول البعد عنه والفرار منه ، لكنه سعيد لا يمل وكأن وجهه قطع من جزع شجرة عجوز كلحاء ، إلى أن تقابل معه ، ما أن راءه أخذ ينثر عليه كلمات العتاب ثم الثناء ، وأسترسل في الحديث حتى أن نشأت كان يتململ في جلسته ، وحاول قطع حديثه هذا دون جدوى ، لم يكف عن حديثه هذا ، إلا بعد أن أخذ من نشأت تعهد ، بأن يصدقه القول عن سبب عدم فوز مكتب داود خضر بالمناقصة الماضية ، راح نشأت يراوغه ويحاوره ، وسعيد يقسم له بأنه إن لم تعود المناقصات لمكتب داود كما كانت فلن يعرفه بعد ذلك .
وأكد له نشأت أنه عرض الملف على اللجنة ، ووجد عرض مكتب عيد أفضل العروض ، ولم يستطع هو إخفاء هذا الملف هذا كل ما كان .
ثم قدم له سعيد هدية ، وأقسم أن داود هو الذي أرسلها له رغم ما كان ، ولم يتركه حتى أخذها بصعوبة بالغة ، وأستأذن في أدب وألقى عليه التحية ومضى .
ظل نشأت جالس في حيرة من أمره ، ماذا يفعل بما أعطاه له ؟ ، إنه عزم الأمر على ألا يعود لما كان من قبل ، وأحس أن ما قده له سعيد قطعة نار تأججت أمام عينيه ، واحترق جسده من لهيبها ، وامتعضي وتغيرت ملامحه وجهه تغير تام ، وذهب ينظر إليها بعينيه من بعيد ، حتى قرر أن يأخذها ويلاقى بها إلى أقرب شحاذ يقابله ، ولا يذهب بها إلى البيت .
ويحدث نفسه قائلا .
ــ إذا كنت أشعر بالنار تحرق جسدي .. وهى بعيدة عنى .. فكيف إذا أخذتها معي للبيت ؟
ثم ترك مقعده وسار في طريقه ، يبحث عن شحاذ يلقى إليه ما قدمه له سعيد فلم يجد ، فحدثته نفسه أن يلقيها بصندوق قمامة ، وهذا أفضل مكان لها ، وأسعفه الحظ هذه المرة ، ووجد صندوق قمامة فألقها به ومضى ، وهو يبتسم من داخله كأنه ألقى من فوق صدره جبل ثقيل .
* * *
نفس الوقت الذي كان سعيد فيه مع نشأت ، كان داود يبحث عنه في كل مكان ، ويتصل به بكل هاتف يعرفه ، حتى عثر عليه وكأن روحه كانت ستفارقه .
وقبل أن ينطق داود بكلمة أبلغه سعيد أنه كان مع نشأت ، يمهد له ليعود من جديد بخدماته لهما في المناقصات القادمة .
أشاح له داود بيده وقال .
ــ أترك هذا الآن .. عندي الأهم .
ــ وما هو ؟ !! .
هيئة الآثار .. ستترح مناقصة جديدة عن قريب .
قال سعيد قول الواثق .
ــ اطمئن ولا تحمل لذلك هم .
ــ يعنى أعتمد عليك ؟
ــ ثق كل الثقة ولا تشغل لذلك بال .
ثم سكت قليلا وقال .
ــ لكنى أعطيت لنشأت هدية .. مبلغ من المال .. وقلت أنه منك .
لم يفكر داود وقال .
ــ سأعطيه لك .. وأزيد .. ولكن لا تنسى ما قولته لك .
ابتسم سعيد وقال .
ــ لا توصى حريص .. فلن أنسى .
واستأذن منه داود ومضى ، فقد كانت معه حقيبة تمتلئ بالأوراق النقدية ، وقد أبلغ الأسرة أنه سيكون في مهمة عمل بعيدة حتى لا ينشغلوا ، عليه واستقل سيارته إلى بيته الذي بالحي الشعبي ، ولم ينسى أن يأخذ معه عشائه من أحد المطاعم المتوسطة .
دخل البيت وأغلق عليه الباب جيدا ، والقي بالحقيبة على الكنبة ووضع الطعام على طاولة المطبخ ، كان داود يرتب هذا البيت بنفسه ، حتى أنه عندما يدخله وقبل أن يرتاح ، يتأكد من أن كل شيء في مكانه ويتفقد ترتيبه جيدا .
ثم أتى الكنبة التي بداخلها الصندوق ، رفع عنها المرتبة القطنية وفتح الصندوق الداخلي لها ، وأخذ يفرغ ما في الحقيبة بداخل الصندوق ، وراح يرتب الأوراق النقدية فوق بعضها البعض ، ويتأملها كأنه يغازلها ، ويجعل كل فئة فوق بعضها ، وكلما ارتفعت الأوراق النقدية فوق بعضها ازدادت سعادته وفرحه .
ثم أغلق الصندوق بهدوء ، كأنه لا يريد أن يزعج الأوراق النقدية ، وأعاد المرتبة القطنية إلى حيث كانت في سكينة ورفق .
ورغم وجود السرير ، إلا أنه يتركه وينام على هذه الكنبة التي تحمل بداخلها ثروته وأوراقه المهمة ، ويمضى كل وقته بالبيت فوقها ، وهو بعيد عنها أيضا يحلم بها ، وتتراءى صورتها أمام عينيه .


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سليمان شاويش
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد المساهمات : 311
نقاط : 748
تاريخ التسجيل : 21/01/2010
العمر : 58

مُساهمةموضوع: رد: فساد المجتمع الجزء الثالث ــ 1 ــ   الجمعة يناير 14, 2011 12:39 pm

فساد المجتمع
الجزء الثالث

ــ 4 ــ

في اليوم التالي التقي داود وسعيد بالمكتب ، وأبلغه سعيد أن ألمناقصة التي حدثه عنها قد قفل باب التقدم لها ، وطلب منه أن لا يُأسر عليه ذلك ، وأكد أنه سيعوضه عن ما سيرضيه ، وأنه سيوصى كل من يعرفه ، أن يتحرى له عن كل مناقصة ، ويخبره بها أول بأول ، قبل أن يصل أحد إلى معرفة ذلك قبلهما ، وأقسم أن لا يتكرر هذا مرة أخرى .
سكن سعيد بعض من الوقت .. ثم أخذ يستفسر منه.
ــ لماذا لم تفكر في تغير النشاط ؟ .. فكل ما تحتاج إليه مكان أوسع من هذا وتغيير التراخيص إلى شركة .. وهذا لن يكلفك كثير .. وسيكون أفضل .
أطرق دود قليلا ثم قال
ــ إني أفكر في الأمر وهذا ما أود فعله .
ونظر إلى بعيد وعاد لسعيد وقال .
ــ أبحث لي عن شركة كبيرة .. أخذ منها عمل من الباطن بإحدى المدن الجديدة .. حتى وإن لم يكون لها عائد مادي .. سيعود علي بخبرة العمل في هذا المجال .. قبل الإقدام على تغيير النشاط من المكتب إلى شركة .
وأستحسن سعيد هذا وكاد أن يطير فرحا وهو يقول .
ــ ثق أنك لن تندم يوم على صداقتي ومعرفتي .
ابتسم داود في خبث وهدوء وقال .
ـ ولن تندم أنت معي أبدا .
نقر سعيد نقرته المعهودة بإصبعيه على المكتب وقال .
ـ لي عندك خدمة شخصية أرجوا أن لا تردها .
وسكت قليلا ثم عاد للحديث .
ـ إن أبني وليد .. انهي الدراسة بالجامعة .. وسأكون ممنون إن وجدة له عمل عندك .
لم يفكر داود وقال .
ـ سيكون له عمل عندي إنشاء الله .
وذهب سعيد يبذل كل جهده ، في البحث عن شركة مقاولات ، تقبل أن تعطي داود عمل من الباطن دون جدوى ، لكنه لم ييأس وقال لنفسه بعزيمة وتصميم .
ـ لن أكل ولن أمل .
ثم فكر في ترك الأمر قليلا ، ولكن لا ينساه ، وأقسم على المضي في البحث والتنقيب ، حتى يهتدي وهمس قائلا .
ـ أنه عمل سيعود عليه بالكثير .
وفى يوم كان يجلس إلى العقيد سيد الدفراوى ، وتحدث معه بشأن ولده ، ورجاه أن يساعده ويكون بجواره ، حتى يتخطى ابنه عقبة التجنيد بالجيش ، إن أمكن إعفائه أعفاه وهو مستعد معه لكل أمر يأمره به ، أو تأجيل الخدمة ، وحتى إن قبل بالخدمة ، فيكون بجواره ويوثق الصلة بين سعيد ومن للعقيد معرفة به , وإن كان لا بد من أداء الخدمة لا محال ، فيا ليتها تكون قريبة من القاهرة ، أو بالقاهرة ، بحيث لا تمنعه في نفس الوقت من عمل أخر يعمله ، ثم ترك شأن أبنه ، وإستسمح العقيد ، إن كان له علاقة بأحد أصحاب شركات المقاولات ، فليتوسط لديه ليعطي داود عمل من الباطن ، يكون بمثابة زيادة خبرة ومعرفة في هذا المجال ، وأبدى الرجل استعداده للبحث عن هذا لداود .
شعر سعيد بالراحة لهذا الحديث ، وشكره الرجل ولم يلح عليه كثيرا ، كل ما قاله أنه بهذا سيكون أدى لهما خدمة كبيرة ستسعدهما كثيرا ، ولم ينسى أن يذكره بحديثه معه بشأن أبنه والخدمة العسكرية ، وابتسم العقيد وطلب منه أن لا يتعجل .
* * *
أصبح ممتاز متلهف لمقابلة رشا أبنت سعيد ، خاصة وأنها الآن بالجامعة ، فلقاءه بها ليس عليه رقابة شديدة كما كانت من قبل ، خاصة وأنهما متفاهمان أكثر من غيرهما ، فالبنت دائما رقيقة ممتعه في حديثها ، ولم ينسى ممتاز طبيعته ، فكان يختار الأماكن البعيدة عن أعيون من لهم معرفة بهم ، حتى يكون حر وعلى طبيعته ، وفى أمان ولا تصل اخبارهما للأسرة ، والبنت كانت سعيدة بذلك ، لقد أتفق الاثنان على رأي واحد هو عدم الرضي على أسرتهما ، فقد قالت له رشا يوم وهى تتعجب .
ــ أبى ليس له عمل محدد ولا أعلم كيف نعيش ؟!!
ضحك ممتاز وقال .
ــ وأنا أبى له عمل ولكن نحن لا نعيش !!
أبتسم وسألت في حيرة
ــ كيف ؟
وقال وهو متأثر
ــ الود بيننا مفقود والصلة غير متوفرة .
قالت بتأثر .
ــ لا تتألم فنحن كما رأيت .. ومع ذلك الأمان غير موجود .
ــ أنتِ صريحة جدا .
ــ وأنت كذلك .
إن الأسرة وهى الحاضنة التي ترضع ، وغرفة الإنعاش التي تعالج ، ليس من العدل أن تترك الأبناء لكل ما هو ضال ومضل ، ولا يكون تعامل الآباء في الحياة فإفساد ، كي يشب الأبناء أقوياء ، وثمار طيبة وبذور تنبت أجود الأشجار ، فالشجرة الطيبة علاج ، والخبيثة مرض يؤدى إلى الضعف وربما إلى الموت .
إن كل ما يورثه الإنسان عائد عليه ، وما يزرعه يحصده ، والأرض الطيبة تعود على صاحبها والأولاد من بعده ، فتخيروا الأرض وانتقوا أفضل البزور ، وقوموا أركان البيت بالكلمة الطيبة والأسوة الحسنة ، والسعي على الطريق المستقيم، إن الآباء والأمهات للأولاد كتاب مفتوح ، يطلعون عليه ويأخذون منه كل حسنٍ وخبيث .
كان الحديث بين رشا وممتاز يأخذ مجالات عديدة ، وكان دائما يحن إليها ويشتاق إلى حديثها ، ويطلب منها الخروج معه وهى كذلك وحين تتحدث إليه ينصت باهتمام ، وأحيانا قليلة يقاطعها ويهمس إليها ببعض الكلمات التى كانت تطير بها فرحا ، وهو يسعد لسعادتها وكان لقائهما يفوق كل لقاء .
والغريب والعجيب إن لا أحد من الأسرتين علم عن قصتهما هذه شيء ، سرية تامة وحيطة شديدة لا مثيل لها ، طبيعة الولد في أسرته هي الهدوء ، والبنت أصغر أبناء الأسرة وكانوا يظنوا أنها لا تعي شيء ، مع أنها تعلم مثلهم وأكثر منهم .
إن زوجة داود أم ممتاز خارج النطاق ، وبعيدة عن فهم كل ما يخص زوجها ، وبطبيعة الحال انطبع ذلك على حياتها وتعاملها مع الأولاد ، لا تعلم إلا القليل عن زوجها ، ولها حدود قوية لا تتخطاها مع زوجها ، مع أنها أبسط حقوقها .
أما زوجة سعيد فحياتها كلها مع زوجها ، ترتب له وتحضر معه وتدقق في كل صغيرة وكبيرة ، وتبحث في اكتساب الأموال بحق وبغير حق ، وتترك حياة الأولاد على الهامش ، حياتهم اليومية متروكة لهم ، مما انعكس ذلك على تصرفاتهم ، فأحدث مع الأيام شرخ أتسع وازداد عمقه مع مرور الأيام ويصعب الآن تدارك الموقف ومعالجته .
إن حياة الأسرة يجب أن تكون متوازنة بين حب الأموال وحب الأولاد ، وعليك أن تتوسط بينهما ، وتنظر من أين تكتسب المال وكيف تنفقه ، وترعي باهتمامات بالغ الأبناء حق الرعاية ، لا تغفل عن النصيحة ، وتتحسس طريقهم ، وتغذى أفكارهم بالصواب، وتملأ البيت عليهم بالدفء الأسرى ، الذي هو النسيج الأول لحياتهم ، والقوة لمستقبل أيامهم ، فكن بجوارهم في أول أيامهم ، وعندما تهب عليهم كل نسمة هواء ، ولقنهم الدرس في التعامل معها ، كي يكونوا أقوياء إذا أتت عليهم الرياح ، وعلمهم السباحة في بحر الحياة حتى لا تتخطفهم الأمواج .













الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سليمان شاويش
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد المساهمات : 311
نقاط : 748
تاريخ التسجيل : 21/01/2010
العمر : 58

مُساهمةموضوع: رد: فساد المجتمع الجزء الثالث ــ 1 ــ   الخميس فبراير 03, 2011 9:16 am



فساد المجتمع
الجزء الثالث

ــ 5 ــ

كانت زوجت نشأت تلح عليه كثيرا للعودة إلى ما كان عليه ، إلا أنه أصر على موقفه ، وحدثها كثيرا أن تحاول العيش بما يكتسبه من الراتب والعلاوات ، وتجعل ذلك على سبيل التجربة ، ثم ترى إن كان هذا سيؤثر على حياتهم اليومية ، واحتياجاتهم الضرورية أم لا .
وقال ليوهدء من عدم رضاها .
ــ إن حدث أي تأثير .. سأعود لما كنت عليه .. المهم نجرب أولا .
ومضت عدة أشهر ، لم يحتاج لقرش زيادة خارج دخله ، لاستكمال مصاريف الشهر ، اللهم نقص من بعض الاحتياجات الترفيهية ، والغير ملزمة التي يمكن التغاضي عنها .
وكان دائما يميل لإرضاء زوجته قبل الأولاد ، إلى أن بدأت ترضى بهذه الحياة رويدا رويدا ، حتى كان ما يريده هو الواقع والطريق القويم ، الذي فقده من سنين .
وحدث زوجته بأنه لو كان يعلم هذا لما كان اتخذ الرشوة طريق ، ومما أسعده أن زوجته أصبحت ترضي على هذه الحياة الجديدة ، وتصدع بالحمد لله والدعاء له ، مع إنها كانت متخوفة أول الأمر، لكن السبات على الاستقامة شيء حسن ومريح .
وبعد أن كانوا لا يقضون السهرات الليلية بشقتهم ، أمست اليوم أكثر سعادة من الأمسيات التي كانوا يقضونها خارجها ، والتفافهم معا أمام التليفزيون أقل تعب وإرهاق من ذهابهم إلى الملاهي الليلية .
حياة عذبة كانت غائبة عنهم هداهم الله إليها .
بعد وقت وجد نشأت نفسه في حيرة ، فقد تقدم سعيد بطلب يد ابنته سعاد لأبنه وليد ، وتعجب من هذا الطلب كثيرا ...! ومع إلحاح سعيد لم يتعجل ، وكان دائما يطلب منه أن يمهله ، حتى تنتهي البنت من الدراسة .
ومن أجل علم نشأت بأسلوب سعيد في الحياة ، كان تردد كثيرا وتأخره في الرد ، ولم يعطيه أهمية وترك سعيد ، ولم يتصل به ، وكان يتهرب من مقابلاته عله يتراجع .
* * *
في نفس الوقت كان وحيد سعيد يسعى نحو امتياز داود ، وهى مغرمة به وأكثر ما يسعدها منه هو حديثه الممتع الذي لا ينقطع ، وكلماته التي تتدفق من فمه عذبة حلوة المذاق ، اللقاء الدائم بينهما كان بكفيتريا الجامعة ذلك أثناء الدراسة ، وأيام الأجازة الدراسية كان بالأماكن العامة والحدائق.
وحدثتها نفسها أنها ترى الدنيا وهى معه ، وكيف لها ؟ وهو يهون عليها أيام ثقيلة قاسية ورتيبة تجدها بين جدران شقتهم ، فمعه ترى الدنيا براح .
وكانت تناديه .
ـ يا حبيبي .
فينظر إليها ويتأملها وهو صامت .
وتكمل بقولها الذي يسعده أكثر .
ـ لا أحتاج منك إجابة فإني أجد الإجابة في صمتك .
فيبتسم برضي ويقول .
ـ إن كان كذلك فلأصمت كثيراً .
تبتسم بوداعة وتكمل .
ـ ولكن حديثك أكثر متعة .. ولسانك أعذب لسان سمعة .
فيضحك ويقول .
ـ إذا سأتحدث بعض من الوقت واصمت بعضه .
أشرق وجهها بابتسامة عريضة وقالت .
ـ كل شيء فيك ممتع .
ـ وأنتِ كل شيء فيكِ جميل .
هدأت قليلاً وسكنت ابتسامتها وقالت .
ـ قولي يا وحيد ماذا سنفعل في الأيام القادمة ؟ .
صمت ثم قال .
ـ بعد الانتهاء من الدراسة بالجامعة سنتزوج .
ـ وأنا سأكون لك ولن أكون لغيرك .
ثم شردة قليلاً وقالت .
ـ ماذا فعل أخيك وليد وإلى أين انتهي ؟
ـ وليد في طريقه للزواج .. فقد تقدم لخطبة سعاد نشأت .. وينتظر رد أهلها .
ـ ولماذا تأخر ردهم كل هذا الوقت ؟
ـ كما علمت أن والدها هو الذي يتمهل ويماطل في الرد .. لماذا ؟ .. لا أعرف !
إن أولاد سعيد يظنون أن ما يفعله أباهم عمل مسلم به ، وأمر واقع وطلبه لا يرفض ، ولا يعلمون أنه يخالف الحق ، ولكنهم ألفوا هذا منه ، فكيف بهم لو علموا أن ما يفعله خطأ ، ومخالف لأعراف الحياة القويمة ؟ .
إن الإنسان عندما يركن للضلال ، ولا يتحرى الحق والحقيقة ، فإنه يغفل ويأخذه الضلال إلى جب مظلم ، لا يستطيع الخروج منه ، حيث أنه لا يرى نور يهتدي به أو أدلة يعتمد عليها ، فتحري واستفسر عن ما لا تعلم تصل لهدفك بيسر ، حياتك كلها علام ، وكل يوم يأتي بجديد .
* * *
تأخر سعيد عن داود مدة من الزمن ، وقد اقترب من الانتهاء من الأعمال التي يقوم بها لهيئة الآثار وهيئة الأبنية ، وحين أقبل عليه قابله بالابتسامات والترحيب ، واضطجع سعيد على كرسيه وراح يرتشف فنجان القهوة ، الذي أعده له الساعي بإتقان بناء على طلب داود منه ، وانشغل داود ببعض الأوراق التي أمامه على مكتبه حتى انتهى منها ، ثم بادره سعيد قائلاً .
ـ إن العقيد سيد قد حصل على ترقية .. أصبح عميد .
وداود كلما يسمع اسم الدفراوى ينزعج كأنه لدغته حيه أو عقرب ، فانتفضي في مكانه ووضع يده على أذنيه وقال بسخرية .
ـ قولي .. قول يا خويا سمعني .. ماذا بعد ؟
نظر سعيد له وهو غير راضي مما سمع وقال .
ـ أتسخر منى ؟ .. إذا كان حديثي يغضبك أسكت ؟ .
ـ لا .. لا .. هات ما عندك .
ـ أنا أرى أن نبارك له على ذلك وبالمرة نقدم له هدية .
ضرب داود المكتب ضربة خفيفة بيديه وقال .
ـ هدية ! .. هدية ليه ؟ .. هدية علي إه ؟ .
ثم ضم أصابع يديه إلى باطن الكف وبسطها وقال .
ـ هو كل ما يحدث عنده حادث نقدم نحن الهدية ؟ !!!
أجاب سعيد بما استفز داود أكثر
ـ أه .. دا من أجل مصلحتك .
أشاح داود بيديه وقال .
ـ مصلحتي .. مصلحتي !!
ولوى أنفه للناحية الأخرى وقال بصوت خافت لم يسمعه سعيد .
ـ كاتك البله .
بدى على سعيد بعض من الغضب وهو يستفسر .
ـ ماذا قولت ؟
ـ لا شيء .
قال سعيد قول المتمكن بعد هذا الشوط الكبير من الحديث .
ـ اسمع يا داود .. لقد تحدثت معه عن رغبتك في العمل مع أي شركة كبيرة متخصصة بالمدن الجديدة .. وأبدي استعداده للوساطة لدى من يعرفهم .
انبسطت أسارير داود قليلاً وقال .
ـ يعني ...
وقبل أن يكمل قال سعيد .
ـ يعني خلاص .
ـ خلاص ...
ثم صمت قليلاً وأكمل .
ـ كده يبقي يستحق .
تعجب سعيد مما قاله داود وأكمل .
ـ أسمع يا داود أنت رجل لك مواد بناء ملقاة بالخلاء .. والرجل مشكور يوصي عليك كل قسم شرطة تكون بالقرب منه .. ولا يتأخر عن ذلك أبدا .. صحيح أم لا ؟ .
ـ صحيح .. لكن ما هم ألآخرين .
واتبع سعيد .
ـ الآخرون إههه ؟ .
ثم رضخ تحت وطأت قول سعيد ولم يكمل حديثه وصمت .

عدت أيام وذهب داود برفقة سعيد للعميد سيد الدفراوى ، وكانت سعادته كبيرة كلما سمع اسمه مقرونً برتبة العميد ، اضطجع على كرسيه ومد رجله اليمنى ولف اليسري عليها ، وقال موجه الحديث لداود .
ـ لقد حدثني سعيد برغبتك في العمل مع إحدى الشركات الكبيرة .
قال داود متلهفا .
ـ نعم البركة في سيادتكم يا باشا والأمر ليك .
ـ الأمر لله وأنت أهل للخدمة .
قال سعيد وهو ينمق الحديث ويحرك أطراف أصابعه فوق بعضها وأقسم وقال .
ـ لم يمر علينا يوم إلا ويسألني عن حضرتك .. ولولا انشغاله بالعمل لزارك كل يوم .
وكان داود يتلفت وينظر إليهما خلسة حين كان سعيد يتحدث إلى أن انتهى ثم قال للعميد .
ـ أنا يا باشا بتشرف بالجلوس معك .. ولا أمل من حسن حديثك والتقرب منك .
والعميد يسمع هذا الحديث وينتفخ على كرسيه حتى كاد أن يسقط من عليه ، وما أن فرغوا من تناول الشاي الذي قدم لهم أستأذن سعيد وداود وانصرفا ، وضم العميد شفتيه خلف ظهريهما وكأنه يريد أن يبصق علي إثريهما أو يبتلع ريقه .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
فساد المجتمع الجزء الثالث ــ 1 ــ
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منبر الابداع :: ساحة الابداع الادبية :: القصة القصيرة والرواية والمسرحية-
انتقل الى: