منبر الابداع للابداع شكل جديد
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخولتسجيل دخول الاعضاءتسجيل دخول الاعضاء

شاطر | 
 

  فساد المجتمع - الجزء الأول -

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سليمان شاويش
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد المساهمات : 311
نقاط : 748
تاريخ التسجيل : 21/01/2010
العمر : 58

مُساهمةموضوع: فساد المجتمع - الجزء الأول -    الأربعاء أغسطس 11, 2010 5:37 am

فساد المجتمع

الجزء الأول
- 1 -

فى أغلب الأحيان بالقرى والمدن والأحياء المتوسطة والشعبية ، إن وفد إليهم وافد جديد كساكن يسعى البعض أو الكل ، لمعرفة من هو ؟ .. ومن يكون ؟ .. ومن أين أتى ؟ ، والتحرى عن كل تفاصيل وملابسات حياته صغيرة كانت أم كبيرة ، فهى عنوانه تدل عليه وخلفية لأهل المكان الوافد عليه ، تمكنهم من التعامل معه .
أما بعض الأحياء بالمدن الكبيرة وهى التى نطلق عليها أو نسميها بالأحياء الراقية ، نادراً ما يعلم أهل هذه الأحياء عن بعضهم البعض إلا القليل وقليل القليل أيضا ، لا يعلمون من سكن إلى جوارهم ولا من رحل ، ولا يسعى أحدا منهم للبحث عن الوافد إن وفد ، ولا يعيروه أى انتباه حتى وإن أراد أن يعبر هو عن نفسه ، فلا يجد لذلك صدى .
أما هذا الحى المتوسط الذى وفد عليه ـ داود عبد النعيم خضر ـ فهم يهتمون ويعيرون لهذا بعض من الاهتمام ، ففى يوم وليلة إذ بهذا الرجل ، يسكن شقة بإحدى عمارات هذا الشارع الفرعى ، الذى به بعض المحال التجارية القليلة ، لكنها مزدحمة بالمشترين إلى ما بعد عصر كل يوم ، ما أن يحل عليهم المغرب ترى أصحاب هذه المحال ، وبعض من سكان الشارع يجلسون أمام المحال وبجوار العمارات مع ترك مداخل العمارات بعيد عن جلوسهم .
انتبه هؤلاء الجلوس لهذا الرجل حين مر من أمامهم عدت أيام ، ويصعد عمارة من العمارات ، بعد أن أثار حفيظتهم بعدم التقرب إليهم ، قالو لبعضهم البعض .
ـ نسأل عنه .
ثم صمتوا قليلاً وقال أحدهم .
ـ نسأل من ؟
وأشار أخر أن يتحسس السمسار القريب ، عندما سألوا السمسار أخبرهم أنه لا يعلم عنه شئ سوى أسمه فقط ، أما من أين هو ؟ ما هى طبيعة عمله ؟ لا يعلم ! ، إلا أنه كلفه وأوصاه ، أن يبحث له عن شقة أخرى بأحد الأحياء الراقية ، ولا يعلم ما ينوى عليه ! ، أو ماذا سيفعل لم يخبره ! .
المجهول خطر إن لم يكن لديك خبر عنه ومعرفة وافية ، والغريب إما ظالم أو مظلوم ، ومن الخطأ أن تترك الأمور هكذا ، من غير أن تعلم عنه ولو القليل ، وما يكنه صدره أو تحتويه سريرته ، ليكن دلاله لاتقاء شره ، إن كان من أهله ، أو حافز فى الإسراع لتقديم يد العون له ، إن كان من أهل الخير .
كانت من سمة داود عبد النعيم خضر ، لا يلقى بالتحية ولا يبتسم إلا قليل ، ولا يلتفت إلا لمن حياه ، يقضى أكثر الوقت بالشقة ، إن خرج لا يخرج إلا لطلب أو لحاجة له ،لا يدع مجال لأحد أن يتحدث معه ، حتى أن الجمع الذى يجتمع بعد كل مغرب على أطراف الشارع ، دعوه أكثر من مرة للجلوس معهم ، فكان يعتذر بأدب ويمضى لحاله ، يمتلك سيارة متوسطة العمر يستعملها إذا كان معه أحد أفراد الأسرة ، أما إن كان وحده فيستقل المواصلات العامة .
هذا الرجل ماضيه مجهول لكل من أراد أن يعرف من أهل الشارع وسكان العمارة ، وهو لا يتحدث عنه ولا يخبر به أحد ، ثرى ولا أحد يعرف عنه ذلك حتى أسرته ، لقد جمع أكثر من مليونى جنيه ، زوجة والأولاد لا يعلمون مقدار هذه الثروة ! ، ولا من أين اكتسبها ؟ ولا كيف ؟ ! لم يبح بهذا لأحد ، حياته كلها أسرار وتعقيدات لا تستطيع أن تخترق السياج الذى أحاط به نفسه ، لا يفضى إليك بسر إلا ما يريده هو ، ولا يجيبك على سؤال يرى فيه أنه تدخل فى حياته .
المتحدث إليه وعنه هو السمسار ، ومع ذلك له معه حدود أيضا ، لا يتكلم معه إلا فى المهمة المكلف بها ، حتى الشقة الثانية سائله لماذا يريدها ؟ فلم يجيبه !
وقال له بهدوء ممل .
ـ عندما تجدها سأخبرك!!
وما أن عثر السمسار على الشقة التى يريدها داود أتاه مبشرا ، وأسرع معه إلى حيث الشقة وعاينها ، تفقد كل مكان بها وموقعها الذى أسعده كثيراً .
بعد إتمام التعاقد أجزل داود العطاء للسمسار الذى قال لداود وهو مبتسم .
ـ لم يذهب تعبى معك سدى .
طلب منه داود أن لا يتركه ، لأنه لا يعرف أى إنسان
غيره ، يريده أن يكون إلى جواره ليجده وقتما يشاء ، تحسس منه السمسار ماذا سيفعل بهذه الشقة ، ففتح داود صدره ، همس له أنه يريدها لتكون مقر مكتب مقاولات بناء ترميمات هدم .
تبدلت وتغيرت ملامح السمسار للحظات ، ثم انفرجت أساريره وقال وهو يتعجل القول .
ـ ذلك سيتطلب منك استخراج تصاريح وتراخيص
وأيضا استصدار سجل .
قال داود بهدوء .
ـ نعم سأحتاج لكل ذلك .
قال السمسار بلهجة المتمكن .
ـ هل تستطيع القيام باستخراج كل هذا وحدك ؟
هز داود رأسه وقال .
ـ لا أستطيع .
تمهل السمسار بعض الوقت وقال باهتمام .
ـ أعرف لك رجل يساعدك كثيرا فى استخراج كل هذه
الأوراق .
قال داود بتؤدة .
ـ احضره لى فإنا فى حاجةً لمثل هذا الرجل .
قال السمسار بحزم .
ـ هل ستتحمل نفقاته ؟
ـ نعم سأتحمل كل ما يريد ويطلب .
ـ اعطنى مهلة حتى أصل إليه .
أمسك داود بزراع السمسار برفق وقال .
ـ بعد إذنك عندما تأتنى به اتركنا معا وأذهب ولن أنساك .
قال السمسار والابتسامة تملأ وجهه .
ـ اتفقنا .
تركه السمسار ومضى ظل داود وحده بالشقة الجديدة ، يتفقد كل غرفها ويتطلع من نوافذها ، ليرى كيف سيكون تنظيمها ، ويحدث نفسه أين سيكون مكتب المدير ؟ أى غرفة يخصصها لمكتب المهندسين ؟ ، ومكتب الموظفين الإداريين !!، ينظم ويرتب ويحلم كيف تصبح بحق مكتب مقاولات !!، يتطلع من النوافذ ليحدد ، أين سيضع لوحة الإعلان عن اسم المكتب ؟ ، بعد أن قضى وقت كبير وهو لا يشعر أفاق مما هو فيه ، أغلق الشقة ومضى إلى سكنه وظل ينتظر السمسار متى سيأتى ؟ ، كان سعيد جداً بالسمسار، لأنه بكل سهولة ويسر ، طرف خيط من خيوط ألعنكبوت المتشابكة مع بعضها البعض ، تيسر له الاحتيال فى أخذ ما يريد من غير رادع ، سلسلة تبدأ بحلقة صغيرة ، ثم تنتقل بك حلقةً حلقة إلى أن تصل لأكبر حلقة مادام رنين المال بالأذنين وحبه يمتلك القلب .

يتبع بعده


عدل سابقا من قبل سليمان شاويش في الخميس أغسطس 26, 2010 4:22 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سليمان شاويش
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد المساهمات : 311
نقاط : 748
تاريخ التسجيل : 21/01/2010
العمر : 58

مُساهمةموضوع: فساد المجتمع ( تابع الجزء الأول ) - 2 -    الخميس أغسطس 26, 2010 4:09 pm

فساد المجتمع

تابع الجزء الأول
ـ 2 ـ

لم يتأخر عليه السمسار وجاءه برجل يدعى ـ سعيد عزت العبد ـ رجل يعرف الكثير من الشخصيات ، وكثير من الدواوين والمكاتب الحكومية ، والأقسام يفتخر أن له بها أشخاص يحترمونه ، أيضا المؤسسات سواء كانت عامة أو خاصة ، هؤلاء المعارف يسعى بهم وإليهم ، فهى كل ثروته يفيد ويستفيد ، بأى طريقة كانت أو أسلوب لا يهم ، لا يوجد فى حساباته سوى المادة ، هى عنده أول الأمر وأخره ، العلاقات الإنسانية تنحت جانبا أواندثرت فى طى النسيان ، كلماته الدائمة ـ أبى وأبيك القرش لا أكثر ولا اقل ، نعم نتفق ، لا نفترق بدون كلمة أو غضب ـ مع سهولتها فى حينها لكنها سيئة العواقب وهو لا يدرى ، وإن كان يدرى فإنه يتغاضى عن ذلك ، بريق المال يعمى عينيه ، يصم أذنيه ، ويشل عقله عن التفكير ، حق الغير لا يهم إن كان المال سيزداد بخزينته ، هذا هو المهم والأهم .
تجمعت الأهواء بين هذا الرجل اللاهى سعيد ، وداود رجل مجهول المصدر مجهول المعاملة مجهول معتقداته وعاداته وسلوكه ، لا أحد يعلم عنه شئ من الجيران الجدد ، حتى السمسار الذى وثق به ، ويسر له كل صعب مقابل أن أجزل له العطاء ، هو الأخر لا يعلم عنه شئ ، هذا لا يهم لديه المهم ما سيعطيه له بعد أن جاء له بسعيد عزت العبد ، تناول معهما السمسار كوب الشاى ، ثم استأذن وانصرف كما أشار عليه داود مسبقا وتركهما معا .
بعد أن تأكد داود من انصراف السمسار سأل سعيد بهدوئه المعتاد .
ـ أين تعمل ؟
على الفور أجابه .
ـ ليس لى عمل ثابت ، لكن أعمل كل عمل يعود على بالمنفعة .
تمتم داود بعيد عن إذن سعيد .
ـ سوس ............
ثم رفع صوته وقال .
ـ كم أجرك ؟
لم يمهله سعيد وأجابه .
ـ ليس أجر ، بل هدايا وكلك نظر وكما يقال ـ المرة ترجع لأختها ـ
قال داود بفتور .
ـ ولما لا تحدد مبلغ !!
استرخى سعيد فى جلسته وتحدث بطلاقه وبدون حرج ، واخذ يشير بيديه ويعبر بملامح وجهه وعينيه .
ـ اسمح لى حضرتك .. المبلغ المحدد يكون للموظفين التى ستيسر استخراج الأوراق المطلوبة .. أين كانت هذه الأوراق .. فلدى من يستطيع استخراجها .. أما أنا فحقى بعد إتمام المهمة ، وكما قلت لحضرتك ـ المرة ترجع لأختها ـ
صمت داود قليلا .
ثم استوقفه وأخذ يشرح له ما يريد ، وطلب منه قبل أن يقوم بعمل أى إجراء ، أن يرى الشقة التى ستكون مقر المكتب ، لمعاينتها لتكون الصورة واضحة أمامه ، حتى يحدد إلى أى مصلحة حكومية سيذهب ، لاستخراج التصاريح والتراخيص والسجل .
عندما رأى سعيد الشقة التى ستصبح مكتب أثنى عليها وأجاد فى الثناء ، بأن هذا أصلح مكان للمكتب ، هنا عاد داود مرة أخرى يسأل عن المبلغ الذى سيأخذه سعيد ،لاستخراج كل ما يريده المكتب من أوراق ، فأفهمه سعيد أنها أوراق كثيرة ، وستكون يده بيده فى كل صغيرة وكبيرة ، وأستثنى شئ واحد سيكون سعيد وحده فيه ، ألا وهو الاتفاق مع الموظفين الذين بيدهم استخلاص الأوراق ، سواء أكان الاتفاق على مقهى أو فى بيت أحدهم أو بيت سعيد فلا داعى لوجود داود معه ، كل المطلوب منه أن يدفع المبلغ الذى سيطلبه الموظف دون جدال .
أكد سعيد على داود الالتزام بذلك قبل البدء فى عمل أى إجراء ، كما أن المبلغ سيأخذه الموظف مقدماً عن طريق سعيد ، واشترط عليه أن لا يتحدث مع أى إنسان بذلك وشدد عليه كثيرا ، أما عند تقديم الأوراق سيذهب داود إلى حيث سيوجهه سعيد ، وسيدله على اسم الموظف ، وتعهد له أن يكون كل شئ ميسر دون رفض أو تعقيدات ، وكل ذلك كان جيد جداً لداود وأسعده أكثر حنكة سعيد وثقته بنفسه التى لا يفقدها إلا قيلاً .
شئ كأنه الخيال لم يتوقعه داود ، أن يجد الشقة للمكتب ، فى نفس الوقت يتعرف على سعيد ، الذى سيستخرج كل أوراق المكتب من الجهات الحكومية ، بسهولة ويسر ولو طالت المدة فأهون عليه ـ من أن يتقدم هو بنفسه ـ حيث ستذلل كل العقبات وسيكون هناك تغاضى عن فنيات كثيرة ، حتى لو كان هناك بعض المخالفات فلن ينظر إليها ، فى هذه الحاله وقد يكون هناك بعض وسائل الأمان ناقصة بالمكتب فلن تؤجل الأوراق أو يمنع استصدارها .
قال لنفسه .. أن ما سيدفعه أقل مما سيكلفه ، فى حالة استكمال كل الشروط المطلوبة ، وهو متقبل هذا بصدر رحب لا غضاضة فيه ،لأن تكوينه أُعد لذلك يكلف نفسه مهما يكلفها ، ينهى بدون إرهاق ، ويقتصر الوقت الذى سيقطعه فى التردد على المصالح الحكومية .
ثم خلا داود إلى نفسه وهو يحدثها .
ـ هذه أول خطوة وابسطها فى طريق مشروعه ، هناك خطوات أخرى كبيرة واهم ، كيف سيقطعها ؟!
يصمت لحظات ثم يكمل حديثه لنفسه .
ـ ربما يجد فى طريقه إنسان ييسر له ذلك .
ـ واستحسن معرفته برجل مثل سعيد ، فقد تكون معرفته هامة وهو لا يدرى ، فيجب عليه أن لا يخسره .
ورأى أن عليه أن يبدأ فى إعداد الشقة إعداد جيد ، يليق بها كمكتب لا مثيل له يرفع رأسه ويشرفه ، فهى بحاجة إلى تغييرات كثيرة فى الدهان والكهرباء ، وتحتاج إلى أساسات خاصة بالمكتب الفاخر وفرش للأرضية بالكامل .
فى هذه الحالة لن ينفعه إلا السمسار، ليأتى له بالعماله المتخصصه بذلك وكان السمسار دائما عند حسن ظنه ، وهو من ناحيته لم يبخل عليه .
من طبيعة الإنسان إذا انتقل لسكن جديد ، يحاول أن يتودد لجيرانه الجدد ، أو يغتنم كل محاولة منهم للتعرف عليه ولا يتركها تذهب سدى ، بدون أن يوثق التعارف هذا بطلب العون والمساعدة ، حتى ولو لم يكن فى حاجة لذلك ، لكنه يجعل من ذلك مجال للقرب بينه وبينهم ، أما داود لم يكن يسعى لذلك ، مع انه ذات ليلة وهو يدخل العمارة التى يسكن بها ، وقف رجل من المجموعة التى تجلس معا بالشارع ، يأنسوا ببعضهم البعض بعد قضاء عملهم ، مد يده لداود وصافحه ثم دعاه للجلوس معهم ، فأعتذر داود وكان الرجل ممن يحبون الألفة بالناس ، فتقبل ما أبداه داود تجاهه ، مع ذلك أكد له الرجل أنه فى خدمته متى شاء ، ذلك لأنهم سكان لشارع واحد ، أما داود فطبعه غالب عليه ، قطب جبينه وشكره وصعد سلم العمارة لشقته .
حاول أحد الجالسين التعليق على ما حدث فقال الرجل .
ـ دعوه وشأنه .
وقال أخر .
ـ لقد تعامل معنا وكأننا نريد منه شئ .
وقال غيرهما .
ـ كأنه يخشانا .
قال الرجل الذى وقف لتحية .
ـ يوجد بعض الناس مثل هذا الرجل لا يميلون إلى الألفة والاختلاط .
وتبعه أخر .
ـ إنه حالة نادرة ، إن طلب المساعدة ساعدناه وإن لم يطلب تركناه .
فى نفس الوقت وصل لسمعهم أغنية ، تأتى من راديو بأحد المحال القريبة ، فطلب أحدهم من صاحب المحل رفع الصوت قليلا ، وانشغلوا فى الاستماع للأغنية ، تاركين ِشأن داود وراء ظهورهم ما دام لا يعنيهم ، وهو لا يريد أن ينصهر فى مجتمعهم ، وقرروا فيما بينهم أن يعاملوه بمثل معاملته ، إن حياهم حيوه وإن ابتعد تركوه ، ومتى يطلب المساعدة أعانوه على قدر استطاعتهم .


يتبع بعده
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سليمان شاويش
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد المساهمات : 311
نقاط : 748
تاريخ التسجيل : 21/01/2010
العمر : 58

مُساهمةموضوع: فساد المجتمع ( تابع الجزء الأول ) - 3 -    الخميس أغسطس 26, 2010 4:19 pm

فساد المجتمع

تابع الجزء الأول
- 3 -

قبل أن ينقضى شهر على المقابلة الأولى ، جاء سعيد العبد ليرى ما انتهى إليه داود من العمل فى إعداد المكتب ، وابلغه أنه قام بجميع التربيطات الخاصة باستخراج كافة الأوراق المطلوبة ، ما عليه إلا الانتهاء من كافة الديكورات والتجهيزات الخاصة بالمكتب ، ليبدأ هو فى مهمته .
إن هذا الرجل سعيد العبد فى هذه الحالات المستترة ، واجهه غير مسيرة للشك ، لأنه لا يملك شئ يثير انتباه أحد ، كما أنه يقوم بإبلاغ صاحب الخدمة ـ كما يطلقون عليها ـ باسم الموظف الذى سيذهب إليه ، بعد إتمام الاتفاق ولا ينسى أن يحيط علم الموظف باسم صاحب الخدمة ، ومتى سيأتى له حتى لا يتركه بدون هدى .
تبدوا أموره من بعيد ليس بها شك أو ريبة ، كأن كل شئ طبيعى جداً هذا لا يعرف ذاك ، وسعيد يقوم بجمع الخيوط ونسجها من الخارج فقط ، أما نصيبه فيما يتفق عليه للموظف يكون مثل نصيب الموظف ، وقد يفوق عليه فمثلا إن طلب الموظف مائه يزيد هو الأخر مائه أو أكثر ، ثم الهدية المتفق عليها سلفا ، التى سيأخذها بعد الانتهاء من المأمورية ، من غير أن يعلم هذا أو ذاك ما حدث ، لا أحد يسأل خلفه ، فصاحب الخدمة قضيت له والموظف أخذ ما أراد .
اكتمل المكتب من كل ديكوراته وأساساته ، بدأ داود يفكر فى حاجته لمهندسين معماريين ذو خبرة ، وموظف حسابات وموظفة سكرتارية وعامل نظافة ـ ساعى ـ للمكتب ، حدث نفسه أن سعيد هو من يستطيع توفير كل هذا له .
حين علم سعيد أن داود انتهى من تجهيزات المكتب ، بدأ مهمته فى السعى وأخذ المبالغ المالية من داود ، ليعطيها للموظفين الذين سيستخرجون الأوراق المطلوبة ، وكما اتفق مسبقاً لا يذهب سعيد مع داود ولا يقف على باب أى مصلحة إلا إذا تعقدت الأحوال أمام داود .
إن الوسيط فى عملية الرشوة هو أخطر ما فيها ، فهو العامل الرئيسى الفاعل لهذه العملية الدنيئة ، هو الوحيد الذى لا يريد لها أن تنتهى ، ويتمنى أن تظل الرشوة سائدة ، وإن تاب الراشى والمرتشى فالوسيط نادرا ما يتوب ، يسعى لمن لم يتب ، أو يلقى بظلال غيه على غيرهم ، يحاول بشتى السبل أن يجعل له عملاء وإن لم ترضى نفوسهم زينها لهم بكل السبل ، وجعلها الملاذ الوحيد لهم فى ظل ضغوط الحياة ، ذلك الوسيط دائما طليق اللسان ، يحسن الحديث يعرف كيف يضع السم فى العسل ، فمن أتقى شره أنقذ نفسه من رذيلة من الرذائل ، وبئر صديد سيرتع فيه كل من يمارس هذا العمل المنحط ، يعطى الحق لمن لا حق له ويمنعه عن صاحبه ، فالرشوة والسرقة صنوان السارق يسرق ما وصل إليك فى يدك وجيبك ، والعاملون بالرشوة يسرقون ما هو فى طريقه إليك ويمنعونه من أن يصل إليك ، إنه أمر خفى كمن يطعنك فى ظهرك بالظلام ويمضى دون أن تراه .
إن أهون ما يقال عن الرشوة هى جريمة الغدر والخيانة والسعى بين الناس بالمهانة ، فهى تعطل حركة الحياة وتفسد المجتمع ولا تساعد على إصلاحه ، إنها تؤدى لليأس لدى من لا يستطيع أن يسير فى طريق الرشوة ويوقن أنها جرم وحرام ، فبتعطل مصالحه بالمؤسسات والمصالح والدواوين ، ومن كثرة تردد عليها لإنهاء مصالحه دون جدوى انتظاراً للرشوة ، تضعف عزيمته وربما ينهى مشاريعه قبل أن يبدأها .
لم يترك سعيد داود حتى انتهى من استخراج كل أوراقه المطلوبة ، لم يبخل عليه داود بما طلب ، حين وجد سعيد الأوراق النقدية تملأ يديه ، أشار بهما لداود وقال وهو يبتسم .
ـ ألان انتهينا مما كان بيننا .. فهل تأمرنى بشىء أخر ؟
ضحك داود بمليء فيه وألقى ظهره على الكرسى وقال وهو يشير بإصبعه لتأكيد قوله .
ـ لن أستطيع الاستغناء عنك .
قال سعيد وهو يختال بثقته المعهودة .
ـ وأنا ملك يمينك .
وحرك بين أصابعه السبابة والوسطى والإبهام بحركات سريعة وقال .
ـ كلما كانت هديتك قيمة .
إستند داود بمرفقيه إلى المكتب وهو يقول .
ـ انتهينا من الأوراق .. يبقى شىء أخر أهم .. البحث عن مشاريع عمل للمكتب .
ابتسم سعيد ونقر نقرات خفيفة بأطراف أصابعه على مكتب داود ثم قال .
ـ لا تخف اجعل هذا الأمر على ولا تتعجل .
قال داود وقد أبدى على وجهه بعض التألم .
ـ صرت مسئول عن رواتب مهندسين وموظفين وعمال .
قال سعيد مؤكداً
ـ كما قولت لك لا تتعجل فلن أتركك وكن على ثقةً بى .
ثم استأذن وانصرف .
دعا داود كل من التحق بالعمل لديه إلى مكتبه وافهمهم أنه يسعى لجلب بعض مشاريع ومنشئات عمل للمكتب ، وطلب منهم الإصغاء لكل كلمة منه والاهتمام بالمكتب وعمله القادم ، وأكد لهم انه فى المستقبل سيحتاج لعمال أكثر وأكثر وسيكون ذلك عن طريقهم وبمعرفتهم ، قبل العشاء طلب منهم الانصراف وأغلق المكتب ومضى .
فى طريقه لشقته أخذ معه بعض من علب الحلوى ، وجلس بين زوجته وولديه مع إن جلوسهم معا أكثره صمت ، لغة الحوار بينهم مفقودة أو منعدمة ، الحديث ليس أكثر من .
ـ ماذا فعلت ؟ ............. وإلى أين انتهيت ؟
التفاصيل لا مجال لعرضها على بعضهم البعض ، كل منهم له عالمه الخاص الذى يعيشه بعيد عن الأخر ، الولد اسمه ممتاز يدرس بالمرحلة الجامعية ، البنت اسمها امتياز تدرس بالسنة النهائية بالثانوية العامة ، زوجته بالنسبة له ليست أكثر من امرأة تقيم معه بالشقة ، تسمع ولا تعلق وإن سألته لا يطلعها على التفاصيل ، ولا الأسلوب الذى أنهى به تعاملاته ! ومن سعى له فى إنهاء مصالحه .
لا يوجد له لأصدقاء أو هم قلة جداً وسواء أكانوا قلة أم كثر فهم لا يعلمون عنهم شىء ، ومثله لا توجد له أصدقاء ، ابنه وزوجته وصديقه هو المال .
بعد أن انتهوا من تناول الحلوى التى أخذها معه ، لم يكن بينهم إلا حديث قصير عن المكتب ، أنه استكمل التجهيزات الأولية وفقط ، ما تحدث به بعد ذلك هو أنه عن قريب سيبدأ العمل ، تمنوا له التوفيق ولم يزيدوا على ذلك شىء .
إذا أردت أن ترى الدنيا قاتمة شارك فى الحياة إنسان لا يعرف سوى لغة المال ، يعشق جمعه وليس له أى تطلعات أخرى أو هواية يسرى بها عن نفسه ، وتزداد الدنيا ظلاما وقتامه إذا كان أسلوب جمع المال غير سوى وبطرق ملتوية ، كسرقة غيره وأخذ ماله قبل أن يصل إليه ، أو يغلق عليه أبواب كان ينتفع من ورائها بحلال الله ويجيد فى ذلك بغير فساد .
أضاءت لوحة مكتب خضر للبناء والهدم والترميمات واجهة المكتب ، وبقى داود وعماله فى انتظار العمل متى سيأتى ، أشار عليه أحد المهندسين أن يقوم بالإعلان فى أحد الصحف اليومية مع أنه سيكلفه ،
فأختار أن يتريث قليلا ليرى ما سينتهى إليه سعيد العبد ، الذى جاءه يوم يبشره أنه سيقابله بأحد رجاله ، يعتبره أهم رجل عنده هو العقيد سيد الدفراوى عزام ، رجل شرطة له اتصالات واسعة بمعارف ستكون من صالح داود ، لن يستغنى عنهم أبداً يوم أن يتعرف عليهم ، سأله داود عن كيفية التعامل مع هذا الرجل ، أشار عليه سعيد أنه سيعلمه بذلك أولاً بأول .
ثم مال داود على ناحية سعيد قليلا وقال .
ـ ما بال المنشئات التى ستأتى بها لنا !!
اكتست ملامح سعيد بالجد وهو يقول .
ـ أهم عمل لك وأفضله هو المناقصات الحكومية .
استبشر داود خيرا بهذا وقال .
ـ أنا معك ، ولكن كيف السبيل لذلك ؟ !! .. أجرنى .
قال سعيد بتريث .
ـ سآتيك بها عن قريب إنشاء الله ... لا تتعجل .. كل شىء له وقت وأوان .
ـ اسمع يا سعيد .. اجعل همك وتفكيرك فيما أطلبه منك ..
وستكون راضى من ناحيتى كل الرضا .
حول سعيد مجرى الحديث وسأله .
ـ متى ستتقابل مع العقيد ؟ .. ثق أنه سيكون سند لك .
ـ حدد أنت المقابلة وقتما تريد .
ـ هذه المقابلة لن تكون فى بيت أحدنا .. بل ستكون فى مكان عام .
هكذا الخيوط تغزل والقصة تحاك بعيد عن المسرح وأثناء التمثيل لا يعرف أحدهم الأخر ، بعد النهاية تكون هناك جلسة أخرى لتقييم ما تم تأدية وتمهيد للجديد ، حتى لا تنقطع الخيوط أو تفلت أطرافها من اليد ، وليس من السهل الإمساك بها مرة أخرى ، شبكة صيدها فاسد طعمه مر وعائده أمر ، وإن نصحت فالأذن تصم والعيون تختفى خلف عدسات سوداء غير شفافة لا ترى من خلالها شىء، يخلعها أصحابها بعد حصولهم على غايتهم ، كيف السبيل لحياة أفضل بعيدً عن هذا المسرح ؟؟؟ !!

يتبع بعده .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سليمان شاويش
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد المساهمات : 311
نقاط : 748
تاريخ التسجيل : 21/01/2010
العمر : 58

مُساهمةموضوع: فساد المجتمع ( تابع الجزء الأول ) - 4 -    الجمعة أغسطس 27, 2010 2:51 pm

فساد المجتمع

الجزء الأول
- 4 -

بعد وقت من افتتاح المكتب وفد إليه بعض من الأفراد الذين يريدون بناء عمارات خاصة ، اختار داود أن يبدأ معهم حتى تأتى المنشآت الحكومية الكبيرة ، واتفق أول الأمر مع مقاول لديه أخشاب يبدأ معه هذا الأعمال المتواضعة ، كان داود غير متحمس لهذه الأعمال إلا انه رأى من الذكاء أن يبدأ بها ، ومن الذكاء أن لا يتركها أو ينحيها جانبا .
دارت عجلة العمل بسلاسة ويسر الأمر الذى أسعد كل من يعمل بالمكتب ، حتى داود أحس براحةً مع أنه لا يرضى جشعه لكنه عمل أفضل من لا عمل .
تردد سعيد العبد على المكتب عدة مرات فلا يجد داود ، حتى ساعة أن قابله أظهر له أنه فى عجلة من أمره ولا وقت لديه ، وحدثه أن العمل فى هذه العمارات اخذ كل وقته ، وبالغ فى القول بأن جاءه الكثير لإنشاء عمارات لهم مثل هذه التى يعمل بها ، كما أظهر لسعيد أنه ليس فى انتظار ما سيأتى به ، كان سعيد من الحنكة والدهاء فذهب يسايره على هواه فى الحديث ، ثم ألقى لداود بحجر صغير فى بحيرته الراكدة فقال له وهو غير مبالى .
ـ على فكرة لقد تعرفت على أحد المهندسين بهيئة الأبنية .
انتبه داود وسال لعابه فى حلقه وردد كأنه يحلم .
ـ هيئة الأبنية ؟؟؟!!
أكد سعيد قوله ومال برأسه على ناحية من كتفه وسعر خده .
ـ نعم .. هيئة الأبنية .
لم يستطع داود الصبر
ـ أجرنى .
ـ أصبر .. الصبر خير وطيب .
تراجع داود فى حديثه قليلاً وقال كالمتوجع .
ـ عدد العمال بالمكتب زاد .. وأنا فى حاجة لأن أفى برواتبهم .
ـ أنت فى أول الطريق .. يجب عليك أن تتحمل سيعود
ذلك عليك بالكثير فيما بعد .
لم يدرى داود كيف انتقل فى الحديث بالسؤال عن العقيد ، أنتبه سعيد وأشار عليه أن لا ينسى يهديه هدية قبل الانتهاء من هذه العمارة ، ربما تعرض لشدة أو معضلة فيجده إلى جواره والهدية تجعل صدره رحب .
ابتسم داود ابتسامة كبيرة وعاتب نفسه على سؤاله هذا وأشار بيده وقال .
ـ لسه بدرى !!
قطب سعيد وجهه قليلاً
ـ لن تستغنى عنه .
فأبدى داود قناعته بما قاله سعيد مع انه غير مقتنع ، لقناعة المسبقة أن سعيد كالسوس الذى ينخر الخشب من جوفه دون أن تراه ، حتى تفاجىء بالسقف الذى تعيش تحته قد سقط فوق رأسك .
كانت علاقة سعيد بمهندس هيئة الأبنية نشأت عبد الرحيم
عابرة وليست وطيدة ، لكنه سعى إليه بعد أن وجد أنه فى حاجةٍ إليه ، قرر فى نفسه أن تكون هذه العلاقة حكر عليه هو فقط بعيداً عن داود ويكون هو همزة الوصل بينهما .
تعددت المقابلات بين سعيد ونشأت ، وراح يستطلع كل كبيرةً وصغيرة عن هيئة الأبنية ، وكيفية الحصول على مناقصاتها ونشأت يجيبه بكل التفاصيل عنها ، رجاه سعيد أن يكون دائم الاتصال به ، وقبل طرح أى مناقصة للهيئة يخبره بها ويطلعه على كل البيانات التى تهمه ، وسيعود ذلك عليه بالنفع وسيكون راضى كل الرضا ، وأن يكون خلف العطاء الذى سيقدمه أحد أصحابه ولن يندم سيجازيه بما يرضيه ويسعده .
بالفعل جاء يوم وأخبره نشأت عن مناقصة ستترح عن قريب جداً ، أطلعه على كل الشروط وبياناتها قبل أن تصل لأحد وسيتم الإعلان عنها فى الصحف اليومية والجرائد وكل الأماكن المخصصة لذلك ، أكد سعيد عليه أن يكون خلف العطاء بعد التقدم به ، وسيجازيه كما اتفق معه بعد أن يكسب مكتب خضر المناقصة .
أسرع سعيد على جناح الطير السريع بهذا الخبر لداود الذى كاد أن يرفرف ويعلوا سطح الأرض .
وقال بتسرع .
ـ إن هذا الخبر لك عليه هدية طيبة .
قال سعيد.
ـ الهدية أولاً لموظف هيئة الأبنية .
ـ لك وله .
ـ أنتظر حتى يأتى بموعد تقديم المظاريف .
ـ سعيد كن على اتصال بى .
ـ سيكون الاتصال دائم لا ينقطع .
ـ و لك ما تطلب .
ابتسم سعيد برضا وصمت .
الذى يمتلكه سعيد عزت العبد والمسجل بأوراق هو الفلة يزهوا بها أمام معارفه وأصدقائه ، وهى من بعض أسباب تيسير معاملاته ، فهى واجهة يفتخر بها أمام عملائه ترفع رأسه أثناء وجوده مع من يمتلك أراضى وعقارات ، حيث يبدو أمامهم انه ليس أقل منهم ، مع أنه ذا مال كثير إلا أنه لا يميل لشراء أى شىء يلفت النظر إليه ، له ولدان بالجامعة وبنت بالثانوية العامة ، زوجته تعشق الملابس الفاخرة وتحب الذهب الذى يغطى صدرها ومرفقيها ، تصر دوما أن تكون فى هذه الزينة من الثياب والذهب فى كل وقت ، خاصةً عند الاستقبالات والضيافة تبدوا فى أروع صورة تدير رأس كل امرأة ورجل ، فوق ذلك لها أسلوب مميز فى استقطاب عملائهم تبهر كل من يستضيفوه أو يلتقون به ، اسمها عواطف زيدان كل أموال زوجها سعيد التى تضمها الخزينة تعلمها هى والأولاد ، الكلفة مرفوعة بينهم بصورة كبيرة وهم وحدهم.
لدرجة أنهم يمازحون سعيد كثيرا وينادونه .
ـ يا عَبِدْ !!
أكثر ما يجعل أصدقائه ومعارفه يملون منه ، هو أنه لا يمل الحديث سواء أكان داخل البيت أو خارجه ، إلا فى بعض الأحيان عندما تقتضى الحاجة لذلك ، يختفى ويتوارى لا تشعر به حتى وإن كان جالسً بين مجموعة كبيرة .
جملته الدائمة .
ـ أنا كما تريد تجدنى ..
ويقوس كتفيه وهو يقول
ـ بس كله بحسابه .
ذات يوم طلب سعيد من داود أن يستضيفه هو والأسرة بفلته رفض داود بهدوء وعندما ألح سعيد عليه .
قال داود .
ـ سيحدث هذا ولكن ليس الآن .
فقال سعيد
ـ توطيد العلاقة بين الأسرتين شىء مهم .
ربت داود بيده فوق المكتب وقال .
ـ الأهم العمل والبحث عنه أهم .
ثم غمز له بعينيه غمزه خفيفةً .
قال سعيد .
ـ إن موظف الأبنية لن يتخلى عنا .
سأل داود بسرعة .
ـ على فكرة ... ما اسمه ؟ .
أخفى سعيد غضب كاد أن يطفوا على ملامح وجهه وقال .
ـ هذا ليس من حقك .. كل ما تريده أطلبه منى .. وأنا أتعهد لك بتنفيذ ما تريد .
سارت الأمور على ما يرام بهيئة الأبنية ، وأسعد داود كثيرا استقرار العطاء على مكتب مقاولات داود خضر مع أن فوز مكتب داود قد أحبط مكتب أخر، كان يأخذ هذه المناقصات من قبل لكنه لم يتأثر كثيراً فلديه الآن أعمال تشغله ، ولم يحاول الذهاب إلى هيئة الأبنية ليتحسس سر ذهاب هذا العطاء لمكتب أخر ، حدثته نفسه أن يكون هذا أمر عابر وستعود المناقصات له بعد ذلك .
دبت الحركة بمكتب خضر واكتسى بصبغة أخرى ،
أصبح مكتب مقاولات بحق ويوم أن ذهب لاستلام خرائط المشروع وأول شيك كدفعة أولى ، رجع ليجد سعيد العبد ينتظره ليأخذ المبلغ المتفق عليه للموظف وهو له النصف من غير أن يعلم الموظف أو داود ثم هديته ونال ما أراد فى جلسته هذه .
ظل مدة طويلة يتحدثان وتطرق داود إلى السؤال عن المهندسين الذين سيراقبون العمل واللجنة التى ستستلم منه المبنى .
يسر سعيد عليه الأمر .
ـ أولا وقبل اللجنة .. الأهم المهندسون المراقبون.
أكد داود حديثه .
ـ من الضرورى الوصول إلى طريق للتفاهم معهم .
طمئنه سعيد .
ـ سأجد لذلك سبيل ... إن أمرهم هين .. ولكن طلبهم سيكون كبير .
حيث أن هذا أول عمل يقوم به داود عاهد نفسه أن لا يكون مكسبه كبير كما يتمنى ، يكفى أن ينجز العمل بما يوفى رواتب العاملين لديه ، ويعوضه المال الذى أنفقه وسينفقه فى الهدايا والرشوة ، وإن كان عائد المكسب بسيط فلن يغضبه هذا أول الأمر ، فلا داعى للجوء إلى أى وسيلة من الوسائل الخفية للكسب غير المشروع ، فليأخذ العمل من وقته ما يأخذ ، وليأخذ من الخامات القدر الكافى والقانونى ما يأخذ فهذا الأفضل فى مرحلة كسب الود .



يتبع بعده
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سليمان شاويش
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد المساهمات : 311
نقاط : 748
تاريخ التسجيل : 21/01/2010
العمر : 58

مُساهمةموضوع: رد: فساد المجتمع - الجزء الأول -    الأربعاء سبتمبر 15, 2010 2:36 am

فساد المجتمع

الجزء الأول
- 5 -

للمال سحر عجيب إن أسر الإنسان بالسعى له وحده بكل الطرق ألقاه بخضم أمواج عاتية ، إلى أن يرتفع فوق أعلى قمة موجة ثم تتركه يهوى إلى قاع البحر ، فإن كان حسن المعاملة نظيف اليد سخر الله له من يرفعه لسطح الماء ويأخذه للشاطئ ، وإن كان سئ المعاملة ملوث سلط الله عليه من يحطم عظامه ثم يبتلعه شىء فشيئاً أو من يبتلعه دفعة واحدة .
من يوم أن انتقلت عجلة العمل إلى أرض المشروع الجديد ، وداود يدس أنفه فى كل صغيرة وكبيرة ، يسأل ويناقش ويبدى رأى ويعترض ثم يعود ويعدل عما أبداه عندما يرى الرأى الأخر أفضل ، لا يترك المراقبين إلا ويشاركهم الرأى ويشركهم معه ، وكانوا يتغاضون عن بعض الأشياء البسيطة التى لا تؤثر على المبنى ، وداود يعدها خطوة جادة للوصول إلى أكثر من ذلك ، الأهم لديه هو الانتهاء من هذه المناقصة على خير ما يرام ، لكى تكون سمعت المكتب حسنة أمام الهيئة فى أول عمل له معها ولترشحه للمناقصات الأخرى .
العمل قد أنجز منه نحو ثلثه يوم أن أتى سعيد لداود يزف إليه بشرى أخرى ، فقد أبلغه صديقه بهيئة الأبنية أنها ستطرح مناقصة أخرى عن قريب ، لكن هذه المرة ترميمات لعدت أبنية حكومية وهذه أفضل من السابقة ، سوف تعود عليه بربح أكثر ووجد داود غير متحمس فأخذ سعيد يقنعه بالقول ويكرر عليه ويشرح له .
ـ تقدم بالعطاء وسأكون ورائك .. بعد أن تفوز به .. أعطيه لأحد المقاولين الصغار من الباطن .. سأكون معك فى كل صغيرة وكبيرة .. حتى تدبير من سيأخذه من الباطن .. سأبحث لك عنه .. إن لم تربح فحاسبنى .. وإن ربحت سوف أخذ منك نصف الربح .
ظل داود يدير الفكرة فى رأسه طويلا وبعد أن استحسنها ابتسم لسعيد وقال .
ـ أنت إنسان عجيب !.
حرك سعيد إصبعيه السبابة والوسطى مع الإبهام وقال .
ـ كن معى على هذا النحو تجدنى .
صمت داود وراجع فى رأسه كل ما تحدث به سعيد ثم قال
ـ لكن النصف كثير .
ـ ليس بكثير .. فأنت لن يكلفك شئ سوى أسم المكتب .. أما أنا سأسعى فى كل اتجاه .. من أجل هذه المناقصة .
صمت داود ثم سأله .
ـ متى ستطرح المناقصة ؟
ـ سأكون فى متابعتها .. وقبل أن تطرحها الهيئة .. سأكون لديك بالخبر اليقين .
ترك داود الحديث فى المناقصة هذه وحول مجرى الحديث للمناقصة التى يعمل بها ، وراح يستفسر من سعيد عن كيفية التعامل مع اللجنة التى ستستلم الأبنية .
قال سعيد والابتسامة العريضة تملأ وجهه .
ـ لا تفكر كثيراً يا صديقى .. فاللجنة ستكون فى جيبك .. عليك فقط أن تستعد بنصيبها .. الذى سأبلغك به .
ثم رفع صوته بالضحك وأكمل الحديث .
ـ ونصيبى أنا .. لا تنساه .
قال داود بارتياح
ـ طبعا .. رضاك عندى أهم منهم جميعا .
عجبا لأمر بعض البشر لقد استحلوا الحرام ، ومع الوقت احتسبوه حق مكتسب ، فالرشوة حرام وإن أردة أن تحتسبها من الكبائر فهى كبيرةً ، وكيف لا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لعن الله الراشى والمرتشى والرائش ) .
مال بال بعض الناس إذا كانت لهم حاجةً بأى مصلحة حكومية أو هيئة ، قبل أن يذهبوا لقضائها يسعون يبحثون على من له معرفة أو صلة بهذه المصلحة أو تلك الهيئة ، ويبدين استعدادهم التام وعدم ممانعتهم فى أن يدفعوا أى مبلغ يطلبها من ينجز لهم ما يريدون ـ وقد تكون لا تحتاج لكل هذا ـ وبعد أن تنتهى حاجتهم لا يتركون مجال للحديث عن ما فعلوه إلا وتحدثوا به زهواً وتفاخراً بما فعلوا ، لا يكل الواحد منهم ولا يمل من هذا الحديث وينسى أنها جريمة وحرام مثلها مثل كل المحرمات تدخل النار إن لم يتوب عنها .
لقد ذهبنا نفسد السفينة على أنفسنا جميعا من أسفلها ومن أعلاها .
فلننظر إلى فطرة الفلاح السوية يوم أن يزرع نباته المثمر ثم يجد النباتات المتطفلة تنموا إلى جواره هل يتركها ؟! بالطبع لا ، بل يذهب يقتلع النبات المتطفل من جوار المثمر
تلك هى الفطرة السوية ، فلما لا نستحى من أفعالنا هذه ولا نذكرها ونقتلع المتطفل أو نبتعد عنه عله يقلع عما يفعل ، حتى لا تغرق سفينتنا بأعماق البحر ولا نستطيع إنقاذها أو إنقاذ أنفسنا .
جد سعيد فى توطيد علاقته بنشأت عبد الرحيم مهندس هيئة الأبنية ، بعد أن وجد أنها ذات أهمية وفائدة كبير خاصةً بعد معرفته بداود خضر ، فالاثنان أكملا بعضهما البعض ، فكر مرارا فى دعوت نشأت وأسرته لزيارته بفلته حتى تكتمل المعرفة وتتوثق أكثر .
كانت زوجة نشأت تسعد ولا تمانع بما يأتى به زوجها من أموال غير راتبه الشهرى ولا تسأله من أين ، ولنشأت من الأولاد اثنان ولد بالسنة الأخيرة بالثانوى العامة والبنت بالجامعة .
ألح سعيد على نشأت كثيرا لقبول دعوته إلى أن قبل الدعوة ، وفضل سعيد زيادةً فى الكرم أن يذهب إليه بسيارته ليأتى به وبالأسرة من مكان سكناهم ، ولما لا ونشأت سيفتح له أبواب عمل كثيرة كان لا يعلم عنها شئ ، وسيكون النفع من ورائه كبير هو وداود .
زوجت سعيد السيدة عواطف زيدان متدربة كثيراً هى والأسرة على حسن استقبال الضيوف ، وإعطاء كل ضيف حقه على قدر المنفعة ، حتى وإن كان الضيف لا يُقبل ولا يُطاق ، يقابلونه بالابتسامات والكلمات الحسنة المنمقة والكرم الزائد كما يليق إلى أن يمضى لحاله ، بعد ذلك خذ منهم سطور من الكلام ألذى لا يليق ، من عدم الإعجاب والاستهانة والحط من قدره هو والأسرة ، فهذه هى طبيعتهم أو ما أليفوه ولا يلقون لذلك بالاً حيث يشعرون أنهم هم أفضل ولا يوجد فى الدنيا مثلهم .
التقت الأسرتان حول مائدة الطعام وسط ترحاب كبير وكلمات تثير الشهية للطعام ، أصناف الطعام لا عد لها من اللحوم المتنوعة الطهى والطيور المختلفة وأطباق الخضار المتعددة ذات النكهة الذكية ، ودعوة الضيوف على تناول الطعام بكرم ولطف لا تنقطع ، فأفضل ما يسعدهم أن يلتهم الضيوف الطعام حتى وإن لم يبقوا منه شئ ، فكلما كانت شهيت الضيوف كبيرة وبطونهم متخمةً بالطعام كلما ذاد سرورهم والاطمئنان على كسب ودهم .
أثناء الزيارة رأت زوجت نشأت السيدة عبير عبد التواب اهتمام وليد الولد الأكبر لسعيد بابنتهما سعاد ، مع أنها أول مقابلة فأسرت ذلك بداخلها ولم تبدى به ، لكنها حولت نظر ابنتها من بعيد حتى لا يلحظ هذا أحد من الحضور، فيرصده ويطلع عليه حتى يكون السر بينهن .
تشعب الحديث فى الجلسة إلى شعاب كثيرة ، لم ينسى سعيد أن يتفاخر بما ليس عنده ويطوف بالحديث بقول ليس بقوله ، فهذه هى طبيعته التى لا يعرفها الكثير ، والقليل الذى يعلم حقيقته جيداً لا يهتم كثير بحديثه فهم يعلمون أنه ثرثار ، يبتسمون فى وجهه ولا يعنيهم ما يقول يسايرونه فى حديثه إلى أن تقضى حاجتهم ، وإن كان على الحديث فليتحدث إلى ما شاء الله المهم أن لا يخل بعهد أو باتفاق فى قضاء المهمة .
لم ينسى نشأت هو والأسرة أثناء حديث سعيد أن يثنيا على الطعام الذى قدم لهم ، وأكثرت زوجت نشأت من الثناء على طريقة طهى الطعام بألفاظ حسنةً راقية جادةً فى قولها ، وأخذت الجلسة وقت أكثر من المنتظر فليس هناك سبب يدعوهم للتسرع والقلق ، فسعيد سيقوم بتوصيلهم بسيارته إلى شقتهم ، فلا داعى للتسرع والعجلة وقبل أن يستأذن المهندس نشأت بالانصراف ألحت السيدة عواطف زيدان كثيراً على السيدة عبير عبد التواب فى التمهل وأن لا تتسرع بالانصراف ولم تنسى أن تلقبها بقولها .
ـ يا سيده عبير .
فانتبهت لها .
ـ رجاء أن تكرري الزيارة أنت والأسرة .
وأسمعتها السيدة عبير بدورها أيضا كلاما حسن وإطراء جميل على حسن الاستقبال والضيافة وأكدت عليها أن تكون الزيارات متبادلةً بينهم ولا تنتهى .
ثم أخذهم سعيد بسيارته إلى حيث مسكنهم وكاد سعيد يرقص وهو عائد وحده ويهمس لنفسه بهدوء
ـ إنها حقاً معرفة جيدة .. لا بل ممتازة .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
فساد المجتمع - الجزء الأول -
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منبر الابداع :: ساحة الابداع الادبية :: القصة القصيرة والرواية والمسرحية-
انتقل الى: